القسطنطينية المدينة التي اشتهاها العالم

هل من الممكن كتابة التاريخ على شكل مروية سردية؟ وما العلاقة بين التاريخ والرواية؟ الحقيقة أن التاريخ قبل أن يصبح علما تخضع دراسته لقواعد منهجية في أواخر القرن التاسع عشر «كان مجرد حكاية تأتي على لسان صاحبها»، كما أن التاريخ هو نوع من السرد، كما يرى الكثير من المؤرخين، وهو ما قرّب الوشائج بين السّرد والتاريخ.
السبت 2016/02/06
كتاب يكشف الكثير من الأسرار عن مدينة الأعاجيب وعن سلاطينها

كتاب الكاتب الإنكليزي فيليب مانسيل «القسطنطينية: المدينة التي اشتهاها العالم (1453 ـ 1924)»، الذي صدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، هو بمثابة قصة صعود وانهيار مدينة وعائلة معا، وقد احتوى الجزءان على خمسة عشر فصلا، تبدأ بفصل عن محمد الفاتح الذي أسّس لهذه المدينة مكانتها منذ دخوله إياها عام 1453، وتنتهي بسقوط المدينة في الفصل الخامس عشر «موت عاصمة» وتشتّت العائلة في المنافي وموت الباقي منهم.

يتقمص المؤلف دور المحقّق تارة والناقد الذي يعقد المقارنات بين طبيعة المدينة في تعدديتها والسلاطين في حكمهم تارة أخرى، والراوي تارة ثالثة حيث يقدم التاريخ في شكل حكاية، لكنها غير منفصلة عن مرجعيتها التاريخية، ولهذا يحتوي على وثائق وشهادات من رواة عاصروا الأحداث، وهو ما انتهى بالكتاب في صورته ليكون جامعا بين السّيرة التاريخيّة للمدينة والسيرة الشخصيّة للسلاطين الذين تناوبوا عليها.

يكشف الكتاب الكثير من الأسرار عن مدينة الأعاجيب وعن سلاطينها ونسائها وقوة نفوذهم، بل إن المؤلف في الكثير من أجزاء الكتاب يعقد مقارنات بين ما تحويه هذه المدينة وما عاصرها من مدن كبرى كلندن وباريس والنمسا، مبرزا ما تمتعت به نساء هذه المدينة من مكانة وأهمية.

يؤكد المترجم على أن آل عثمان لم يكونوا أول سلالة تركيّة حاكمة، ولم تكن القسطنطينية أول عاصمة لدولة تركية، ولا لآل عثمان أنفسهم، لكن الاقتران بين آل عثمان والقسطنطينية أنتج أقوى وأكبر إمبراطورية تركيّة إسلامية وربما في تاريخ العالم، ينسب المؤلف الفضل إلى آل عثمان في قوة المدينة وعظمتها ودورها، بما فعلوه بداية من استقدام السّكّان إليها، وصبغها بالصبغة الإسلاميّة، وأيضا في قصورها الفخمة التي شيّدت كنوع من أبهة السّلطان لإبهار المدينة، ويرصد عادات السّلاطين في حياتهم الخاصّة وطعامهم ومجلسهم وأيضا مع وزرائهم ورعاياهم، والقوانين التي تحكم العلاقة بينهم وبين شعبهم.

تعود تسمية المدينة إلى الإمبراطور الروماني قسطنطين، وقد تأسّست في موقع مدينة بيزنطة القديمة في فترة توسعات الرومان الاستعمارية. ومنذ ذلك الحين صارت المدينة عاصمة للإمبراطورية الرومانية، ثم عاصمة بيزنطة أو الإمبراطورية اليونانية الشرقية ثم عاصمة الإمبراطورية اللاتينية، وعلى مدار تاريخها كانت القسطنطينية بلا منازع المدينة الأكبر والأكثر ثراء في أوروبا كلها، ومن ثم أطلق عليها «المدينة التي يشتهيها العالم» كما كتب أحد البيزنطيين، لكن مع دخول محمد الفاتح في ظهيرة التاسع والعشرين من مايو عام 1453، المدينة التي حلم بها من قبل بفرسه الأبيض، ومنذ تلك اللحظة التي سبقها حلمه بدأ العشق العثمانيّ للمدينة.

أضفى الإسلام على الأسرة العثمانيّة هالة من القداسة، ففي داخل المساجد كانت الخطب تلقى باسم السلطان، ومن أوائل القرن السّابع عشر حتى نهاية الإمبراطورية، كان جزء من طقوس تنصيب السّلطان يتمثّل في أن يقلّده أحد أكبر الشيوخ، كما كان أكبر المراسم السنوية في القسطنطينية هو مغادرة قافلة الحج إلى مكة في الثاني عشر من رجب.

يرصد المؤلف المتغيرات التي آلت إلى نهاية دولة بني عثمان، وكيف صارت بين عامي 1918 و1924 لعبة بين طرفين وعلى واجهتين: أوّلا لعبة الأمم بين الإمبــراطــورية واليونانيين والغرب، وثانيا لعبة السلطة بين الدولة العثمانية ورعاياها من المسلمين.

يكتشف الكاتب في رحلة بحثه عن العلاقة بين المدينة وآل عثمان أنّهما ملتقى الأضداد. وينهي الكاتب مؤلّفه الضخم بالإشارة إلى أن إسطنبول مثّلت للعالم بدورها وبنموذجها مثالا لعاصمة كبرى، لكن أكثر ما لفت في هذه المدينة أنّها بعد عام 1924 لم تلتفت إلى الماضي ولم تشعر بالأسى عكس مدن كثيرة، وبعد عام 1926 ألغت الاسم القديم ولم يعد يقبل مكتب البريد غير اسم «إسطنبول»، كما أنّها غيّرت هويتها.

17