القس يوحنا قلته: الجسد المصري متماسك والإسلام بريء من التطرف

الخميس 2015/02/12
حين تصبح العلاقات المجتمعية مضبوطة بمعايير المواطنة تتراجع الانتماءات الدينية الضيقة

التعرف على موقف ممثل للكنيسة المصرية، في هذا التوقيت الموسوم بعلو التشدد، من الشراكة في الوطن والدفاع عن التنوع المصري، مفيد لبيان أن التعدد الديني والإثني لا يؤدي ضرورة إلى التشنّج. ما ورد في حوار “العرب” مع نائب بطريرك الأقباط الكاثوليك، يقيم الدليل على أن التطرف لا ينبع من الانتماء الديني ذاته، بقدر ما يترتب عن الفهم المتشنّج.

أكد يوحنا قلته، نائب بطريرك الأقباط الكاثوليك في مصر، أن الدولة المصرية تواجه حربا حقيقية متواصلة، تتشابك فيها مصالح الجماعات الإرهابية المتطرفة، والمخططات الأميركية، الساعية إلى تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات طائفية متصارعة.

وأضاف يوحنا في حوار لـ”العرب” أن العمليات الإرهابية التي شهدتها شمال سيناء هي إحدى حلقات الحرب التي يشنها البعض على مصر، والتي تستهدف إنهاك الدولة اقتصاديا وأمنيا وسياسيا، لإدراكهم أهمية جيشها في المنطقة، خاصة أنها أحبطت بثورة 30 يونيو 2013 هذا المخطط.

وعلّق يوحنا على اتهامات البعض للحكومة المصرية، بالتراخي في تحقيق حد أدنى لاحتياجات المواطنين، والتأخر في اتخاذ إجراءات حاسمة لمواجهة الإرهاب، قائلا: بعض المنتقدين لديهم حق فيما نقد أداء الحكومة، لكن على الجميع أن يدرك الحجم الحقيقي للتحديات، وأن هناك جهدا يبذل واستقرارا يتحقق، وأن ما يراه البعض ليس إلا حرصا من الدولة على إعلاء قيمة القانون، حتى لا يعاقب من لا يثبت بشكل يقيني إدانته.

وحول قراءته لرؤية الغرب للمشهد المصري، قال لـ”العرب” من واقع علاقتي بالخارج، بحكم الدراسة والعيش في فرنسا وأميركا لسنوات، لدي اتصالات بمراكز التفكير، أؤكد أن السؤال الرئيسي الذي يؤرقهم هناك ويبحثون له عن إجابة، كيف تصمد مصر حتى الآن ولماذا لم تنهار أمام ما شهدته من أحداث؟ الأمر الذي أصابهم بالدهشة والتعجب عن كيفية صمود الدولة المصرية، أمام كل هذه المشكلات الأمنية والاقتصادية والسياسية.

وفي ما يتعلقُ بالمواجهة الفكرية للإرهاب ودور الأزهر والكنيسة في ذلك، أوضح أن دورهما ليس على القدر الذي تخوله لهما مكانتهما، مؤكدا أنه يُكنّ كل التقدير والاحترام للإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر، وجهده وفكره، لكن أداء الأزهر المؤسسة العريقة ليس حاسما في مواجهة التطرف، والبيانات الصادرة تدين الجرائم بلغة ألين من المطلوب.

يوحنا قلته
*ولد بمحافظة سوهاج وهو مزيج من الثقافة العربية والفرنسية، الإسلامية والمسيحية، .

*ترأس مجلس كنائس الشرق الأوسط.

*نائب لبطريرك الأقباط الكاثوليك في مصر.

*عضو بيت العائلة المصرية.

*أستاذ ا لحضارة العربية بالكليات الكاثوليكية، والجامعة الأميركية.

*أحد القلائل من المسيحيين الذين حصلوا على الدكتوراه في الأدب الإسلامي.

*عضو لجنة الخمسين التي صاغت التعديلات الدستورية الأخيرة.

*عضو اللجنة البابوية لحوار الأديان بين الفاتيكان والأزهر.

وتابع قلته: أنا كمسيحي ثقافتي إسلامية، والإسلام بريء من فكر التطرف، كما أن الكنيسة وإن كانت مؤيدة للنظام وخيارات الشعب، وتسير كما تعودنا في ركاب الوطنية، فإن عليها دور أكبر مما تقوم به، ويجب أن تؤديه في مواجهة راغبي إثارة الفتن، وأقول للمتطرفين إن الجسد المصري متماسك، ولن تستطيعون أبدا شق وحدة الشعب.

وعن مواجهة أزمة الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، قال يوحنا قلته: نرفض الإساءة للأديان والرموز الدينية، ولا يمكن القبول بأي إساءة للرسول محمد، لكن مواجهة هذه الإساءات التي تصدر عن البعض في الغرب تحت ذريعة حرية الرأي، يجب أن تواجه بإستراتيجية علمية، لا أن ترتكن إلى ردود فعل تكتفي بتوجيه السباب والشتائم والشعارات في مواجهة الإساءات، فمعالجة الأزمة بالشكل الذي تم، كشف ثقوبا في الثقافة العربية.

وأضاف أن معالجة الأزمة يجب أن تراعي ثقافة الآخر، ويجب أن تعتمد لغة الحوار، وبناء رأي عام غربي مؤيد لحقنا في الدفاع عن قيمنا ورفض الإساءة لرموزنا الدينية، ولذا أقترح تشكيل لجنة تضم علماء مصريين وعرب، مسلمين ومسيحيين من الأزهر والكنيسة وعلماء الإسلام في الدول العربية، وليكن اسمها لجنة التضامن الإنساني، تنظم لقاءات في البلدان التي يصدر من بعض رساميها وصحفييها إساءات، يُدعَى لها من تصدر عنهم الإساءات وغيرهم من صحفيي الغرب ويدار معهم حوار، لتعريفهم بالفروق بين ما جاء به الإسلام والمسيحية واليهودية، من تسامح وسلام، وبين ما يرتكبه المتطرفون انطلاقا من فهم خاطئ.

كما أكد يوحنا على أنه بغير الحوار والتعريف بقيمنا، لا يمكن أن نأمن الإساءة لأدياننا، فنحن معتنقو الأديان السماوية الإبراهيمية، في العالم أقلية، لا نتجاوز ثلث سكان العالم، ومن ثم من المستحيل فرض رؤيتنا ومعتقداتنا على ثلثي العالم، فأغلبية العالم غير مؤمنين بالأديان السماوية، وهم من يملكون المال والتكنولوجيا والسلاح، ومن ثم يفرضون قيمهم في مجتمعاتهم، ومنها الاعتراف بالمثليين، وأصبح الزواج الرسمي لديهم في تراجع ويتجهون لما يسمونه زواج حر. لذلك أقول إن قيمنا يصعب فرضها عليهم، ويجب العمل وفق إستراتيجية واضحة، لإقناعهم بضرورة احترام معتقداتنا ورموزنا الدينية.

وأضاف قائلا لن ننتصر لمعتقداتنا بالشعارات، بل بالعلم والثقافة ومقومات القوة والتخلص من الإرث الثقافي الفاسد، والعودة إلى عهد ازدهار العلم والثقافة في الوطن العربي، فعلماء العرب القدامى هم من علّموا الغرب الذي سبقنا الآن.

وبخصوص حقيقة ما يزعمه عدد من أقباط المهجر عن وجود تمييز بحق المسيحيين في مصر، أكد يوحنا قلته، أنه لا يوجد أي اضطهاد والجميع مصريون يواجهون معا الصعاب ويجنون الثمار، والجالسون في المهجر بعضهم لديه أجندات ومصالح من وراء تفجير هذه المزاعم، وأميركا تستقطب عددا ممّن في الخارج، ومن في الداخل لتنفيذ أجندات، والبعض يعمل وفق قناعات نابعة من أنه يريد تطبيق الحريات التي يراها في البلاد الأوروبية التي يعيش فيها، لكنه لا يدرك أن هناك أمورا لا علاقة لها بالدولة، بل بثقافة مجتمعية تحتاج معالجات هادئة، فالريف والصعيد في مصر لا يعرفان التعصب.

وحول دور بيت العائلة، أكد أنها فكرة الإمام أحمد الطيب شيخ الأزهر، وهو عبارة عن تجمع عائلي مسلم – مسيحي يضم قيادات من الأزهر والكنيسة، ونعمل على توحيد المجتمع ومواجهة محاولات إثارة الفتن، إلى جانب إقامة مشاريع خدمية وتنموية في المحافظات بمختلف أنحاء الجمهورية.

13