"القشابية" مضادة لبرد الشتاء في الأرياف التونسية

تتأقلم الشعوب مع المناخات التي تعيش فيها وتبتكر طرق مقاومة الحر والبرد من خلال حياكة الملابس المناسبة والأطعمة التي تختلف حسب الفصول، وعرفت البلاد التونسية حياكة البرنس و”القشابية” على يد الأمازيغيين ولا تزال تحتفظ بهذه الثياب المقاومة للبرد القارس.
الخميس 2016/01/21
القشابية رمز من الرموز الأصيلة للتراث التونسي

تونس- اجتاحت مناطق الشمال الغربي من البلاد التونسية موجة ثلج وبرد قارس خاصة في محافظات جندوبة والكاف وسليانة، أجبرت سكان المناطق الريفية على ارتداء برانيسهم و”قشاشيبهم” لمواصلة عملهم.

والقشابية لباس أمازيغي عريق جدا يعود تاريخه إلى ما قبل الميلاد، وهو لباس شعوب شمال أفريقيا (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب)، حيث يعتبر ذا قيمة عالية في منظور عدد كبير من أبناء الريف في تلك المناطق الباردة، ويفضلون ارتداءه ويتفاخرون به، فهو رمز للفخر والأصالة والرجولة، فأهالي أرياف الكاف يفضلون ارتداء القشابية ويفتخرون بها لأنها تحميهم من ويلات الشتاء القارس الذي تعرف به المنطقة خصوصا في الهضاب العالية التي تنزل فيها درجة الحرارة في هذا الفصل إلى ما دون الصفر.

وتشتهر مناطق محافظة الكاف بحياكة القشابية التي تعد من الرموز الأصيلة للتراث التونسي الموروث لاقتران هذا اللباس بطبيعة العيش في الريف المتسم عادة بظروف مناخية قاسية.

وتصنع القشابية من وبر الإبل وصوف الغنم حيث تنسج على يد المرأة الريفية بطريقة يدوية بحتة تاركة التطريز واللمسات الأخيرة للرجل.

وتبدأ حياكة القشابية من معالجة الصوف الخام بتنظيفه ونتفه وغسله وصبغه أحيانا ثم تحويله إلى لفائف من الخيط الخشن عن طريق الغزل ليصبح معدا للنسج، وهي مهام تقوم بها المرأة بفن وإتقان، مستعملة في ذلك معدات تقليدية “كالقرداش” و”المغزل والسداية” و”الرطاب” و”الخلالة”.

أما تطريز القشابية فهو فن وإبداع وعمل دقيق أساسه الإتقان يقوم به الرجل ويحرص فيه على إعطاء الذوق الجمالي، فهو يزيّن القطعة المنسوجة بخيوط الحرير بلمسة تأخذ منه الوقت الطويل والجهد الذي ينال حتى من جسده بدءا من بصره نظرا إلى الدقة التي تتطلبها عملية التطريز، كما يجد تعبا في حركة أنامله وحتى في مفاصله بسبب جلوسه الطويل مفترشا الأرض، استنادا إلى ما أكده من تبقى من الحرفيين في مدينة الكاف.

وتتضافر الجهود في البلاد التونسية للحفاظ على لباس القشابية على غرار سائر المنسوجات الصوفية وتعزيز طابعها الوظيفي حتى تتناسب أكثر مع مقتضيات النشاط الفلاحي وما يتطلبه من حركة دؤوبة في فصلي الخريف والشتاء مع توفير الوقاية اللازمة من الصقيع.

ولا يزال صنع القشابية يستأثر باهتمام الحرفيين كواحدة من أبرز الحرف المتوارثة منذ الآلاف من السنين من جيل إلى آخر نظرا إلى ما يلقاه هذا المنتوج من رواج لدى الناشطين في الفلاحة بسائر ربوع الشمال والوسط الغربيين للبلاد التونسية.

وعموما حافظت حياكة القشابية على طابعها التقليدي رغم مختلف التجديدات التي أدخلها الحرفيون عليها، إلا أن العناية تركزت في السنوات الأخيرة على الجانب الجمالي للقشابية فأدخل عليها بعض الحرفيين إضافات هامة في مجال الزخرفة والألوان والصدارة (تطريز القشابية بخيوط الحرير) والشكل العام من خلال إحداث جيوب داخلية بما يتماشى ومتطلبات تحديث هذا اللباس الشتوي.

وتشتهر قلعة سنان والجريصة وساقية سيدي يوسف ونبر من محافظة الكاف بحياكة القشابية، التي تحاول أن تصمد أمام موجات التحديث والتجديد على اعتبار أن القشابية أضحت مرجعا لطبيعة العيش بالريف، إلا أن هذا النوع من اللباس أصبح اليوم مهددا بالاندثار لانعدام المراكز المختصة في تكوين الشباب في هذه الحرفة، فضلا عن عزوف الشباب وخاصة من سكان المدن عن ارتدائها لثقلها ولتعطيلها إياهم عن الحركة.

ويرجع الحرفي منجي الفضلاوي والمختص في تطريز القشابية والجبة عزوف الشباب عن هذه المهنة، إلى ضعف المردود المالي. فالقشابية الواحدة يتطلب تطريزها عند المحترف المتمرس أربعة أيام ولا تدر إلا القليل من المال، علما وأن شراء الحرير يتطلب التنقل إلى العاصمة أو مدينة صفاقس لشراء المواد الأولية فضلا عن أجرة الصانع.

ولاتزال القشابية تنسج في بعض المناطق، حيث أجبرت الحاجة المرأة على صنعها، إلا أنها بعد أسبوع أو أكثر من العمل الدؤوب تبيعها إلى السماسرة والوسطاء بسعر زهيد، ليبيعوها بسعر أكثر خمس مرات من الثمن الذي اشتروها به من المرأة الريفية، تنافسها في ذلك القشابية المصنوعة من القطن.

20