القشابية والبرنوس أزياء تقليدية جزائرية تصارع من أجل البقاء

يعتبر زي “القشابية” و”البرنوس الوبري” أحد معالم الشخصية النايلية، المنتشرة في السهوب وشمال الصحراء الجزائرية، وصار بمر العصور مرادفا لشخصية الفرد الجزائري، الذي لا يستغني عن القشابية والبرنوس طيلة أشهر البرد الممتدة من شهر أكتوبر إلى شهر مارس، ويمتد استعماله في عموم المحافظات الداخلية من شرق البلاد إلى غربها.
الاثنين 2016/01/11
عيد البرنوس الجزائري ببوسعادة

تأخذ صناعة واستعمال “القشابية” و”البرنوس” ، طابعا أساسيا في الحياة اليومية لسكان المحافظات الداخلية في الجزائر، وتشتهر منطقتا مسعد وبوسعادة بمحافظتي الجلفة والمسيلة، بنسج وصناعة الزي الذي اكتسب رواجا وطنيا وحتى دوليا، خاصة مع استعماله أحيانا، من طرف الرسميين وكبار رجال الدولة، على غرار رئيس الجمهورية وبعض الوزراء والمسؤولين، كما يشكل إحدى الهدايا الثمينة التي تقدم للضيوف المرحب بهم والأعزاء على العائلات والسكان المحليين.

وبحسب مختصين في علوم التراث والاجتماع، فإن القشابية والبرنوس من الأزياء القديمة في المنطقة، تستمد جذورها من العصور البربرية الغابرة، حيث كانت تستعمل للوقاية من البرد الذي يشتد في المناطق الجزائرية الداخلية مع حلول الخريف إلى غاية خروج فصل الشتاء.

ويرى هؤلاء بأن هذا النوع من الزي حافظ على طابعه الأصلي القديم، ولم تدرج فيه إلا تحسينات طفيفة، من أجل أن يكون أكثر مرونة في الاستعمال، خاصة وأن القشابية والبرنوس صارا رمزين للتباهي والاعتزاز، فهما لم يعودا في متناول جميع الفئات الاجتماعية، بالنظر لغلاء أسعارهما ونظرا لأن صناعتهما بالطرق التقليدية تستغرق وقتا طويلا وتتطلب استخدام مواد طبيعية مكلفة.

وتشكل صناعة الزي حرفة الكثير من العائلات في منطقتي السهوب والشمال الصحراوي، ويعتبر صوف الأغنام ووبر الإبل المواد الأساسية لها، وتعتمد على الممارسة اليدوية بأجهزة تقليدية توارثتها الأجيال وتعرف بـ “المنسج التقليدي”، الذي ينصب في باحات المنازل وتسهر النسوة على حياكته بدقة متناهية واتقان عال، الأمر الذي يأخذ وقتا طويلا يتراوح بين أسبوع وشهر، ويتطلب في بعض الأحيان تعاون نسوة العائلة الواحدة أو نسوة الحي.

وظلت صناعة القشابية والبرنوس المنتشرة بكثرة في محافظتي المسيلة والجلفة بجنوب البلاد، حرفة تمارس على نطاق ضيق من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي للعائلة، وشيئا فشيئا أخذت في التوسع خلال العقدين الماضيين، مع إقبال الجزائريين عليهما خاصة في فصل البرد والمناسبات العائلية، لتأخذ بذلك طابعا تجاريا، إذ تنامى النشاط الحرفي مع تنامي الاستعمال، واكتسب رواجا في ربوع البلاد وحتى خارج الوطن.

لم يتمكن المنتوج التقليدي للقشابية والبرنوس من خفض أسعاره بسبب غلاء المواد الأولية ولقلة تعاطي النسج التقليدي

ويرى حرفيون في المنطقة بأن الحرفة التي لا زالت تعتمد لحد الآن على وسائل تقليدية، وتتطلب دقة يدوية عالية وتعاونا مستمرا من أجل تلبية طلبات الزبائن، بإمكانها أن تتحول إلى صناعة قائمة بذاتها لو حظيت بالاهتمام والدعم اللازمين، من تكوين وتسويق وحماية من المنافسة غير الشريفة للمنتوجات المقلدة والمستوردة من الأسواق الآسيوية، فإلى حد الآن لاتزال القشابية والبرنوس ينسجان في البيوت من طرف أفراد العائلة وخاصة النسوة، ولم تتوسع إلى ورشات يشغلها مختصون ومكونون في الميدان، أو تتطور باستقدام آلات نسيج متطورة تختصر الوقت والجهد.

في المقابل هناك من الحرفيين من يرى أن سر القشابية والبرنوس الوبري يتمثل أولا في مادتهما الأولية المحلية، كصوف النعاج ووبر الإبل المتوفرين في المنطقة، وذلك نظرا لخصوصياتهما المميزة لأن سلالة هذه الحيوانات نادرة في عدد من الدول العربية بينما تتواجد في ربوع التراب الجزائري وصوفها أو وبرها يساعد على نسج هذه المنتوجات، وثانيا في طريقة النسج اليدوي المتقن، ولذلك فإن أي مسعى للخروج عن هذا الطابع، سيفقد الزي مميزاته وخصوصياته التي اشتهر بها. وأرجع هؤلاء غلاء أسعار المنتوج إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية لصوف النعاج ووبر الإبل، وليس لجشع الحرفيين كما يعتقد البعض.

ويعاني الحرفيون المنتجون للبرنوس والقشابية في الجزائر اليوم من منافسة غير متكافئة من المنتجات المقلدة أو تلك المستوردة من الدول الآسيوية، حيث غزا المنتوج الصيني الأسواق المحلية وصار ينافسهم في عقر ديارهم، وهو ما أثر على مردودهم وإنتاجهم، لا سيما مع محدودية فرص التسويق والترويج للمنتوج المحلي، خاصة وأن منطق الأسعار هو الحاسم النهائي بين الطرفين، إذ يتوجه المستعملون للمنتوج الأقل سعرا حتى ولو كان أقل جودة أو مقلدا، بينما لم يتمكن المنتوج المحلي التقليدي من خفض أسعاره بسبب غلاء المواد الأولية وبسبب قلة تعاطي النسج التقليدي حيث لا يتوفر الإنتاج بالكميات اللازمة.

ويعتبر نسج القشابية والبرنوس الوبري نشاطا فنيا وإبداعيا وعملا يتطلب مهارة ودقة، فهو يرتكز على الإتقان والإبداع في اختيار ووضع الأشكال والرموز التي تزين القطعة المنجزة من الوبر أو الصوف، فاللمسة البارزة تتطلب وقتا وجهدا طويلين ينالان من أعصاب وجهد الحرفي، ولذلك يستهلك نسج برنوس أو قشابية وقتا معتبرا يصل في بعض الأحيان إلى شهر كامل بحسب بعض الحرفيين.

ويبقى عامل السعر أهم عائق أمام انتشار استعمال هذا الزي والإقبال عليه، فعلى بساطة إنجازه ونسجه، يبقى زيا نخبويا لا يقدر عليه إلا الميسورون فسعر برنوس أو قشابية من الوبر أو الصوف الأصليين في المنطقة يتراوح بين 300 و500 دولار، وهو ما يفتح المجال للمنافسة من طرف المنتجات المقلدة أو المستوردة.

12