القشة التي قد تحرق الكوكب: التغير المناخي ومغالطة عشري الدرجة

من أكثر المغالطات شيوعا في النقاش الدائر حول التغير المناخي هي مدى تأثير ارتفاع درجة حرارة الكوكب درجة واحدة على الحياة على سطحه، حتى أن الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب في إعلانه عن انسحاب أميركا من اتفاق باريس استخدم نسخة مشابهة لهذا الادعاء.
الاثنين 2017/06/12
الخروج عن السرب.. إبادة جماعية

منذ ثمانينات القرن الماضي حرص عالم الفضاء الأميركي ومُبسط العلوم الشهير كارل ساغان في برنامجه “الكون” على التنبيه إلى خطورة التغير المتسارع في مناخ الأرض نتيجة ارتفاع نسبة الغازات الدفيئة (ثنائي أوكسيد الكاربون، بخار الماء، … إلخ) فيه والتي تعود معظم انبعاثاتها إلى النشاط البشري المتزايد منذ الثورة الصناعية. كان ساغان يلوح بمثال حي لا يبعد عنّا سوى سفر 4 أشهر، وهي ليست بالمسافة البعيدة في حسابات الفضاء الشاسع، إنه كوكب الزهرة.

يتمتع كوكب الزهرة، المُقارب للأرض من حيث الحجم، بغلاف جوي كثيف للغاية حيث تقارب كثافته 90 مرة بقدر كثافة كوكبنا. هذه الكثافة العالية للغلاف الجوي تحد بدرجة كبيرة من عملية إشعاع حرارة الكوكب إلى الفضاء الخارجي بعملية شبيهة إلى حدٍ ما بما يحدث في البيوت الزجاجية المستخدمة لزراعة المحاصيل الصيفية في الشتاء. هذا الاحتباس الحراري الناتج من كثافة الغلاف الجوي يرفع من معدل درجات الحرارة على سطح الكوكب لما يقرب من 500 درجة مئوية جاعلا من الزهرة أشد كواكب المجموعة الشمسية حرارة متفوقا حتى على عطارد الكوكب الأقرب للشمس. إن الحياة على كوكب الزهرة هي مصداق حقيقي للجحيم حيث أن درجة الحرارة هذه كافية لصهر معظم المعادن التي نستخدمها في حياتنا اليومية.

النشاط البشري السبب

وما يحدث اليوم على الأرض يختلف قليلا من حيث السبب عما حدث لكوكب الزهرة في الماضي. ففي حين أن الأدلة والدراسات تقود إلى أن الغازات الدفيئة تزايدت بعمليات جيولوجية طبيعية على كوكب الزهرة، يُعتبر النشاط البشري في الخمسمئة سنة الأخيرة العامل الرئيسي في زيادة معدلات ثنائي أوكسيد الكاربون في الجو كما تفيد الغالبية الساحقة للدراسات المتخصصة.

معدل درجة حرارة الأرض بلغ 0.99 درجة مئوية وارتفاعه بدرجة أو درجتين مئويتين قد يعني نهاية الحياة

وفي حين تتفق كل المؤسسات الأكاديمية المُعتبرة في العالم على هذه الحقيقة يقف فريق من رجال الأعمال والمحافظين الدينيين، بالخصوص في الولايات المتحدة، موقف المشكك في هذا الأمر سائقين حجج في غاية السطحية تشبه حجج الأوائل على نفي كروية الأرض. لكن ما يُقلق فعلا أن هذه الحجج السطيحة سهلة الفهم وتقوم على تزييف الواقع المعقد بشكل خبيث بطريقة تجعل التصديق يبدو منطقيا.

تصاعد صوت المشككين

ومع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع العام الحالي تصاعد صوت المشككين في التغير المناخي حتى تُوجت هذه الأنشطة بانسحاب أميركا من اتفاقية باريس التاريخية قبل أسابيع. وفي حين ركزت الكثير من التغطيات على الجوانب الاقتصادية لهذا القرار، سنركز على مناقشة مغالطة ساقها الرئيس الأميركي في إعلانه عن الانسحاب حيث قال إن الالتزام باتفاق باريس “سيخفض درجة حرارة الكوكب في عام 2100 عُشرَيَن أثنين من الدرجة المئوية”، وأكمل “هذا فرق ضئيل جدا”.

في الحقيقة أن أرقام الرئيس الأميركي غير دقيقة تماماً ومبنية على افتراضات خاطئة، فدرجة حرارة الكوكب ستستمر في الصعود ببلوغ العام 2100 حتى لو نفذ الجميع التزاماتهم التي يُلزمهم بها اتفاق باريس.

والحقيقة أن المشكلة ليست في ارتفاع درجة حرارة الكوكب بقدر التسارع الكبير في هذا الارتفاع. فكوكب الأرض مر بفترات ارتفاع في درجات الحرارة من قبل. لكن مخاوف العلماء من ارتفاع متسارع يصعب على نظامنا البيئي مواكبته والحد منه حتى نصل إلى نقطة لاعودة تقود كوكبنا الأزرق إلى مصير مشابه لجحيم كوكب الزهرة.

ولو طبقت اتفاقية باريس بشكل صحيح فإنها ستخفض من معدل ارتفاع درجة الحرارة تسعة أعشار الدرجة بحدود العام 2100 بحسب تحليلات كلايمتانتركتف وهي مؤسسة أميركية غير ربحية معنية بتوضيح خطورة التغير المناخي. بحسب التقديرات بحلول العام المذكور سيكون معدل حرارة الكوكب قد ارتفع ليصل إلى 3.3 درجة مئوية مع تطبيق اتفاقية باريس غير أن الإخلال بتطبيقها سيرفع من درجة الحرارة بمقدار 4.2 درجة مئوية.

لكن ماذا تعني تسعة أعشار في ميزان ارتفاع درجات الحرارة؟

في الوقت الذي يعتبر فيه ناشطوا البيئة وعلماء المناخ أن التزامات اتفاق باريس غير كافية لحماية الكوكب وينبغي العمل بجدية أكبر لوقف أو الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة في وقت عاجل، يحاجج البعض بأن الحصول على إجماع عالمي على خطة عملية لحماية كوكبنا هو إنجاز كبير وأن لدينا هامشا جيدا من الزمن لنطبق هذه الإجراءات أو نحسنها في المستقبل.

المعدل الحسابي لدرجات الحرارة

وعلى الجانب الآخر يتمسك بعض المشككين بالتغير المناخي بحجة غريبة، ففي حين ينكر قسم منهم أي علاقة بين النشاط البشري وارتفاع نسبة ثنائي أوكسيد الكربون في الجو وذوبان ثلوج القطب الشمالي، يعزف القسم الآخر منهم على وتر الأرقام فبحسب ادعائهم إذا كانت درجة الحرارة تشهد بين الصيف والشتاء تغيرا بعشرات الدرجات. فكيف لتغير درجة واحدة أن يقضي على مصير الكوكب؟

إن ارتفاع هذا المعدل بدرجة أو درجتين مئويتين قد يعني نهاية الحياة حرفيا في بعض المناطق الصحراوية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

قد تبدو هذه الحجة منطقية للوهلة الأولى لكن الشيطان يكمن في التفاصيل التي يتعمد المشككون تجاهلها. ففي حين نفهم بوضوح معنى درجات الحرارة المقيسة في الصيف والشتاء، تُعتبر درجة حرارة الكوكب أمرا مُبهما بعض الشيء. الحقيقة أن ما يعنيه المناخيون بدرجة حرارة الكوكب هو المعدل الحسابي لدرجات الحرارة المُسجلة طيلة العام وعلى امتداد مساحة الكوكب، ففي حين تبلغ درجات الحرارة العشرات من الدرجات السالبة في قطبي الأرض خلال الشتاء تصل في بعض المناطق الصحراوية إلى حدود 70 درجة مئوية خلال الصيف وهي درجة حرارة تستحيل معها الحياة إلى حد كبير.

وبحسب إحصائيات وكالة ناسا بلغ معدل درجة حرارة الأرض 0.99 من الدرجة المئوية وهو الذي كان مقاربا للصفر المئوي قبل خمسين عاما، إن ارتفاع هذا المعدل بدرجة أو درجتين مئويتين قد يعني نهاية الحياة حرفيا في بعض المناطق الصحراوية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إضافة إلى ارتفاع مستوى سطح البحر نتيجة ذوبان الثلوج مما يؤدي إلى هجرة الملايين من البشر من مناطق شرق آسيا، هذا فضلا عن الجفاف الذي يضرب مناطق مختلفة من العالم والذي بدوره سيقود إلى حروب ومجاعات لن تكون تأثيراتها محليا بل ستصل إلى البلدان المتقدمة على شكل موجات هجرة، وما موجة الهجرة الأخيرة إلا مثال حي على ما يمكن أن يحدث.

وما قد يساعد في فهم الفرق بين معدل درجة حرارة الكوكب ودرجات الحرارة اليومية، هو أن الفرق بين معدل حرارة الكوكب حالياً والعصر الجليدي الأخير الذي كاد أن يقضي على الجنس البشري لشدة البرودة لا يتعدى الـ5 درجات مئوية، فتخيل كيف سيؤثر ارتفاع الحرارة درجتين أو ثلاثا خلال السنوات الثمانين القادمة.

ولعلي أكرر كلام كارل ساغان في برنامجه الخالد “الكون” عندما أقول إن جارنا القريب كوكب الزهرة هو إنذار قائم بأننا نعاني مشكلة حقيقية لكنها قابلة للحل في الوقت الراهن بإجراءات عملية معقولة كتنفيذ مقررات اتفاق باريس. لكن على الجانب الآخر فإننا نواجه شبحا جاثما على مستقبلنا كجنس بشري وهو رفض العلم والترويج للمغالطات.

وإن ما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية مثال كبير على أهمية أن يكون العلم في تماس مباشر مع الناس وأن يُقدم لهم بطريقة سلسة مفهومة، فلا يكفي أن تكون لديك واحدة من أكبر المؤسسات العلمية كوكالة الفضاء ناسا والتي تسجل سنويا ارتفاع درجات حرارة الكوكب بينما يُخدع أكثر من نصف الشعب بشعارات شعبوية فارغة قد تؤدي في نهاية المطاف إلى حرق الكوكب والجنس البشري.

كاتب عراقي

12