القصاص المثالي

الجمعة 2016/03/11

يرغب بعض هواة الأدب في كتابة القصة القصيرة، مثلما يرغب آخرون في كتابة الشعر أو في ممارسة أحد أنواع الفنون. لكن القليل منهم على دراية بأسس أو بتقنيات هذا الشكل السردي، أو طرق وأساليب كتابته، رغم أنهم قادرون على صنع حكايات واقعية أو فانتازية.

القاص الأرجنتيني هوراثيو كيروغا، صاحب المجموعات القصصية الثلاث "قصص الحب والجنون والموت"، و"أناكوندا"، و"المنفيون"، يقـدم وصايا ذهبية لمن يريد أن يكون قاصا ناجحا ومثاليا، وهي وصايا استخلصها من تجربته الطويلة في كتابة القصة، ومعاينة إبداعات أساتذة وآباء القصة القصيرة الحديثة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مثل: إدغار ألن بو، جوزيف روديارد كيبلينغ، وجي دي موباسان.

خلاصة تلك الوصايا: قاوم التقليد ما استطعت، لكن قلد إذا كان التأثير قويا جدا. خلافا لكل شيء يتطلب تطوير الشخصية صبرا طويلا. ويجب أن يكون لديك إيمان أعمى، ليس بقدرتك على النجاح، بل بحماس رغبتك فيه. اِعشق فنك كما تعشق حبيبتك، وهبه كل قلبك. لا تبدأ الكتابة دون أن تعـرف منـذ الكلمـة الأولى أيـن تسيـر. في قصة جيدة يكـون للسطــور الثلاثـة الأولى نفس أهمية السطـور الثـلاثة الأخيـرة. وحين تصبح متمكنا من كلماتك لا تشغل نفسك بملاحظة إن كانت ذات أصوات ساكنة أو متجانسة. لا تضع النعوت دون حاجة. لا فائدة من عدد الأصباغ الملونة التي ستطلي بها منعوتا ضعيفا. إذا وجدت المنعـوت الدقيق سيكون له وحده لون لا مثيل له، لكن عليك أن تجده. خذ بيد شخصياتك وقدها بثبات حتى النهاية، دون أن تنظر إلى شيء آخر غير الطريق التي رسمتها لها. لا تشغل نفسك بمشاهدة ما لا تستطيع شخصياتك رؤيته أو ما لا يهمها أن تراه. القصة فن مطهر من الحشو. اعتبر هذا الأمر حقيقة مطلقة، وإن لم يكن كذلك. لا تكتب تحت سيطرة الانفعال، دعه يموت ثم استحضره فيما بعد. إذا كنت قادرا على استحضاره كما حدث فعلا، فقد وصلت في الفن إلى منتصف الطريق. عندما تكتب لا تفكر في أصدقائك ولا في الأثر الذي ستخلفه حكايتك. اكتب قصتك كما لو أن الحكاية لا أهمية لها سوى بالنسبة إلى المحيط الصغير لشخصياتك، التي ربما كنت واحدا منها.

لقد أوحت لكيروغا معاشرته الطويلة لأشخاص يتعاطون كتابة القصة، والتجربة الشخصية في هذا الميدان، أنه إذا لم تكن توجد أسرار لهذه الحرفة، أو وصفات سهلة الاستعمال ومضمونة النتائج، فإنها يمكن أن توضـع لتكـون تسليـة للعـديـد مـن الناس الذيـن تمنعهم انشغالاتهـم الجـديـة من تحسين أدائهـم في مهنـة لا يُجـازون عنها كمـا ينبغـي، ولا تحظـى بسمعة جيـدة.

وفي هذا الصدد يقول ما نصه "إن معاشرة القصاصين، والتعليقات التي أسمعهـا، وكـوني أتقـاسم معهـم صـراعهـم وهـواجسهم ويأسهم، شجعني على الاقتناع بأنـه، فيمــا عـدا بعض الحـالات التـي تنجح فيها القصـة دون وسـائـل، تنجز كـل القصـص بواسطـة وصفـات وأساليـب عمـل في متنـاول الجميع، شريطـة أن نعـرف موضعهـا والهـدف مـن استعمـالها".

ويعبّر كيروغا عن قناعة في غاية الطرافة مفادها أن القصة، كما هو الشأن بالنسبة إلى السونيتة، تبدأ من النهاية. لا شيء أسهل من إيجاد جملة نهائية لحكاية انتهت منذ قليل، لكن لا شيء أصعب من إيجاد جملة النهـاية لحكاية لم تبدأ بعد. ويروي أنه وجد مرة صديقا له، معروفا في إجادة كتابة القصة، يبكي وهو منكب على كتابة قصة لم يستطع أن يضع لها نهاية، كانت تنقصه فقط الجملة الأخيرة، لكنه لم يكن يراها، كان يبكي ولم يستطع أن يهتدي إليها.

كاتب من العراق

14