القصة الواقعية لدون كيشوت بحري يتحدّى القوانين

الأحد 2015/01/18
أليس فيرناي كاتبة مغامرة ومناضلة من أجل بيئة نقية وإنسان سعيد

تروي أليس فيرناي (ALICE FERNEY) في كتابها “مملكة الأحياء”، الصادر عن منشورات آكت سود الفرنسية بباريس، قصة الكفاح اليومي لعدد من المنادين بحماية الأحياء البحرية، وهي تفعل هذا استجابة منها للنداء الكوني بحماية الطبيعة في العالم.

بدافع الفضول، وقد تملكه الإعجاب على الفور إلى درجة الانبهار، يصعد صحفي نرويجي على متن سفينة “أراوْهيد” (Arrowhead) صحبة مجموعة من المناضلين، من نشطاء المعارضين للصيد الجائر للأحياء المهددة بالانقراض. على رأس هؤلاء كان “ماغنوس والاس” (Magnus Wallace)، الشخصية البطولية والكاريزمية التي تكافح بوسائل جدّ بسيطة -ولكن بحس تواصلي وإعلامي جدّ فعال- ضدّ النهب المنظم للثروات البحرية والجرائم التي ترتكب ضدّ الكائنات الحية.

وهي تعيد رصد خطوات تلك الانتفاضة المتفردة، التي تكرس الخطابات والقيم التي تؤسس لها، تتناول أليس فيرناي موضوعا يثير مسألة جدّ ملحة ومستعجلة بقدر ما هي كونية، للاحتفال بالجمال السامي للعالم البحري وفضائل النضال التطوّعي. بينما يبسط الإنسان على المحيطات قبضته المفترسة، “مملكة الأحياء” تُساءل مستقبل “هذه الأرض التي نستدين من أطفالنا” وتقوم بتكريم للمعارضة اللازمة ضدّ الاستهتار والعبثية المنظمة.

ماغنوس والاس، ناشط بيئي، يجوب البحار على متن سفينة “أراوْهيد” لمراقبة سفن صيد الحيتان التي يقترف أصحابها الصيد الجائر في المناطق غير المحمية. كفاح من أجل حقوق الحيوان، ثورة فريدة تستحق وقفة إجلال، تسرد تفاصيلها رواية تحتفي بجمال الأحياء والحاجة إلى صحوة الضمير.


سمفونية البحر


بعد أن تحاورت مع قراءها عن تقلبات القلب البشري، تأخذنا مؤلفة رواية “المحادثة الغرامية” إلى صخب وغضب الحرب التي يقودها مناضلو حماية البيئة ضد السفن-المصانع التي تقوم بنهب المحيطات.

مملكة الأحياء' تروي قصة دون كيشوت البحار (ضخم وقويّ كالدب الأشيب لجبال أميركا)، ماغنوس والاس ناشط بيئي غير مروض، لا يتقهقر، مصمم، شديد العزم إلى درجة أنه صار مسعورا

غزت أليس فيرناي جمهورا عريضا بفضل “المحادثة الغرامية” و”ابحثوا عن المرأة”، حيث كانت تحاور القراء عن تقلبات قلب الإنسان، مع “مملكة الأحياء” سوف نغادر تلك المنطقة الدافئة باتجاه المحيط الجنوبي. بعيدا عن باريس، تروي -من خلال عدسة كاميرا- قصة ملحمة ماغنوس والاس. هذا الناشط البيئي الدؤوب المتحمس، الذي يقف على منصة سفينة “أراوْهيد”، ليطارد السفن-المصانع التي تقوم بنهب البحار و«تدمير التنوع البيولوجي».

في البحر، كل سباق هو سعي لتحقيق الصفاء. ماغنوس والاس يتابع سعيه بكل تفان، على غرار كبار من سبقوه في ذلك المجال، نحو طريق غير مضمون، صراع مرير محفوف بالمخاطر.

ماغنوس هو رجل وهب نفسه وسخر التزامه الكلي، في سبيل نصرة قضيته، إلى درجة اللجوء إلى العنف: سفينة صيد صماء لا تستجيب لأوامره، يهاجمها دون تردّد. طريقة والاس والسبل التي تسلكها منظمته “غايا” (Gaia)، تثير الجدل. قوى صناعية عالمية جبارة ترى فيه تهديدا لمصالحها فتعمل على تقويض مجهوداته بشتى الوسائل إلى درجة تشويه سمعته وترويج نسخة مناقضة عن أهدافه النبيلة. بالمقابل فإن عددا من الحالمين، مجموعة من المثاليين، ينضمون إلى جماعته ويعززون قواته بأفواج مجندة. وجهتا نظر عن العالم تتواجه وتشتبك، وسؤال ميتافيزيقي صرف يتسلل إلى ذهن القارئ: هل أصبح الإنسان يشكل حقا تهديدا لكوكب الأرض؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن التعامل معه؟ هل نجبره على التخلي عن السيادة الأصلية التي كان يتمتع بها واستخلافه في الأرض منذ بداية الخلق؟

لقد كان القبطان “أشهب دو ميلفيل” (Achab de Melville) يطارد الحوت الأبيض باسم الجهاد من أجل الخير. في شريط “السلطعون-الطبل”، انطلق قائد سفينة “جوريغيبيري” (Jaureguiberry) للبحث عن ويلسدروف (Willsdorff)، شخصية أخرى من الوجوه التي تسعى إلى الخير. الشريط الشهير “أنياب البحر” وكيف يمكن التخلص من ذلك القرش الأزرق، الذي كان يهاجم الناس ويهددهم فوق المراكب وحتى في منازلهم الساحلية؟ شريط “بيرانياس” وتلك الأسماك اللاحمة الصغيرة التي حولت رحلة استجمام بإحدى الجزر إلى كابوس، آثر المخرج التخلص منه باستعمال المتفجرات داخل بحيرة.

تستدرجنا أليس فيرناي لنركب مراكب صنعتها أهواء حرب عصرية، غير معروفة، إلا إذا التفتت الإنسانية إليها. اعتداء غاشم وحرب ضروس تجري بعيدا عنا، بعيدا عن كل شيء، في مناطق شاسعة، مخلفة وراءها العديد من القتلى، الدماء والدموع.

الروائية أليس فيرناي هي مخرجة أفلام وثائقية، حكيّها دقيق، بصري ومرئي. إنها تفك شفرة منظومة حيث الرهانات فيها جدّ كبيرة: تجارية بالنسبة للبعض، وبيئية بالنسبة إلى البعض الآخر. المعركة هي في جوهرها معركة وسائل الإعلام بالأساس. يصيح والاس: “إنهم سفاحون يدمرون الكوكب”. يردّ الخصوم: “إنه إرهابي باسم حماية البيئة”. ويشعر القارئ بطنين في أذنيه.

ولكن إلى جانب القصة التي تأخذ شكل ملحمة، هناك سمفونية البحر التي لحنتها المؤلفة بعناية، بهدوء تعرف أليس فيرناي كيف تترك خيط أحداث روايتها المليئة بالمغامرات لتستسلم إلى جمال العالم: اللانهاية، رقصة الباليه الوجدانية للخلق على سطح الماء.

نها تفك شفرة منظومة حيث الرهانات فيها جدّ كبيرة: تجارية بالنسبة للبعض، وبيئية بالنسبة إلى البعض الآخر

عن هذه المهارة الأدبية التي تأخذ شكل معزوفة الجنة والنار، كتب المحرر الأدبي لصحيفة لوفيغارو: «تقدّم أليس فيرناي صفحات مذهلة تعتمد الكثير من الصخب والغضب. هكذا توظف مؤلفة “النعمة والحرمان” أفضل ما في مخزونها لتؤدي وظيفة على مقاس مقامها الأدبي على أكمل وجه، وتقدّم لنا رواية تتفجر بشكل متفرّد من حيث الإنتاج الذي يستهوي الخيال لهذا الموسم».

أما الناقدة مارين دو تيلي ( Marine de Tilly) فقد أشارت في صحيفة لوبوان بأن أليس فيرناي عوّدتنا لمدة عشرين سنة خلت، أن تكون الروائية الرومانسية بامتياز، حيث كانت المشاعر والأحاسيس هي المحرك لكتاباتها حين تناولت مواضيع الأنوثة،الأمومة والهجر، أو الشعور بالحب. ولكن يبدو أن عشر روايات -بمنتهى الرقة وذكاء مطلق- حول هذا الموضوع، كانت تكفي. لقد غيّرت الوجهة هذا الموسم بشكل راديكالي. ها هي فيرناي أخرى. مناصرة للبيئة، مناضلة، مغامرة، الرمزية الأدبية والفلسفية لـ”مو فونتينوي” (Maud-Fontenoy) و/ أو القبطان “واتسون”.


رسالة قوية


“مملكة الأحياء” تروي قصة دون كيشوت البحار. “ضخم وقويّ كالدب الأشيب لجبال أميركا”، ماغنوس والاس ناشط بيئي غير مروض، لا يتقهقر، مصمم، شديد العزم إلى درجة أنه صار مسعورا. بحزم منيع ضدّ تقديم تنازلات، ضدّ أيّ نوع من الارتشاء، وضدّ المصلحة الذاتية في جميع أشكالها، إنه يمتلك تلك الجاذبية التي يمارسها ذوو القناعات الراسخة والمثل العليا ويضعون حياتهم فوق كفهم.

تضيف مارين دو تيلي وهي تتحدث عن بطل الرواية: “لقد شرب من حليب مايو 1968، وكان يؤمن بهلاك المجتمع الاستهلاكي، لقد استمع إلى عظماء العالم وهم يعبّرون عن تخوفاتهم حيال مستقبل الأرض، ولكن لا أحد فعل أيّ شيء. فبدأ بحرق سفن أعدائه”. على متن السفينة الأميرية “أرّاوْهيد”، سيبحر مع أتباعه باتجاه أرخبيل جزر “غالاباغوس” (Galapagos) ، متطوعون وصل بهم الغيظ إلى الفيض (طبيب، صحفي -وهو الراوي- مجموعة من الرجال الأقوياء وعدد قليل من النساء اللائي أثارت أحاسيسهم تلك الجبال من الهرمونات الذكورية بقدر ما أثارها المصير المحزن لعجول الحيتان)، تحدوهم القناعة بأنه يجب صدّ سفاحي المحيطات الذين يقومون بالصيد الجائر للحيتان في المناطق غير المحمية، ينهبون البحار ويقترفون المجازر بحق الحيوانات البحرية.

جرائم تُقترف في أعالي البحار

لم يكن هناك بالضرورة أحد بانتظار أليس فيرناي، لكن رسالتها قوية، واضحة: ما نسميه عامة “علم البيئة” ليس بخيار علمي، وما هو بحزب سياسي أو فكر فلسفي، إنه أمر بديهي. إنه أمر لا يستدعي التوافق بشأنه، أو التفكير به، أو الانخراط فيه، يتعلق الأمر بأن نعي، أنه ما دمنا على قيد الحياة، لدينا كل ما نعشق رؤيته بفضله. ليس كردة فعل عن قناعة أو طوعا، ولكن فقط لأننا كائنات حيّة ترغب في البقاء أطول فترة ممكنة. بخيال في متناول اليد، لا تفعل أليس فيرناي في هذه الرواية الجميلة، شيئا آخر غير تأييد النداء الكوني.


التزام أخلاقي


يصعد مراسل صحفي على متن سفينة زعيم حركة بيئية نشطة بشكل خاص، يتعرّض الرجل لانتقادات، بل وحتى للكراهية من قبل نظرائه وكذلك صائدو الحيتان. ولكن آخرين يؤيدونه ويهدهدونه.

في الواقع، ماغنوس والاس ينضح هالة في ذروة التزامه بحماية الحيوانات البحرية، ومن بينها الحيتان التي تشكل ضحايا رمزية. يندمج المراسل الصحفي بشكل تامّ مع فريق المناضلين، ويكتشف مدى جسامة كارثة معلنة، وخاصة الانتهاكات المستمرّة للمعاهدات الدولية. أما بالنسبة إلى السلطات الحكومية، فإنها تقف عاجزة، أو أسوأ من ذلك؛ تكون متواطئة. وبالتالي يجد هؤلاء النشطاء أنفسهم مضطرين على التصرف خارج القانون ومواجهة الخطر.

أكثر من رواية، لقد كتبت أليس فيرناي مرافعة للدفاع عن القضية البيئية، رهان عسير بقدر محدودية الوسائل المتاحة، دمار هائل وغير قابل للإصلاح. يغطي هذا الكتاب العديد من جوانب المشكلة: الاستهلاك الفاحش في مجتمعاتنا، الصيد المجحف أو استنفاد مخزون المحيطات، نفاق القوى السياسية.

أوصاف شخصياته تعطينا أيضا لمحة عامة عن الدوافع المختلفة للناشطين، حيث تحدّد هذه مستوى ودرجة انخراطهم في “معارك بدنية” أو حين يمكن للمخاطر الجنائية أن تهدّد حياتهم.

كتاب عاجل في هذا الموسم الأدبي بمضمون أكثر أهمية من الشكل، حيث الأمل لم يعد سوى ورقة خريف بسيطة صارت مجرّد خيوط.

يخضع القارئ لجاذبية مثيرة، تلقينية على الخصوص، تدعو إلى التفكير وتدفعه إلى طرح أسئلة أساسية حول استثماراته الشخصية وميراث الأجيال المقبلة.

14