القصة تعود إلى الواجهة

قد يكون السبب في عدم رؤيتنا الكثير من مجموعات القصص القصيرة تتقدم قوائم المبيعات وتحظى باهتمام الناشرين والنقاد والقرّاء، هو أن الكثير من الكتّاب لا يستطيعون كتابة القصة القصيرة وإجادة متطلباتها الصعبة.
الأربعاء 2019/01/30
fات القرّاء والنقاد في حيرة من أمرهم

هل تراجع فنّ القصة القصيرة؟ مثل هذا السؤال بات مطروحا في الكثير من الأوساط الثقافية والأدبية في عالمنا العربي، نتيجة الاهتمام المتصاعد بالرواية وكتابتها ونشرها، ولعل الأمر ينسحب على الشعر أيضا إلى حد ما.

وأعتقد شخصيا أن فنّ القصّة القصيرة لم ينحسر بطريقة أو بأخرى، لكن الذي حصل هو انحسار الأضواء عن هذا الفن الجميل، والسبب من وجهة نظري هو أن هذا الفن يعدّ من الفنون الصعبة التي تتطلب مراسا ودربة وقدرة على التكثيف من الكاتب في عدد محدود من الكلمات، على العكس من الرواية التي تتيح مساحتها المفتوحة الكثير من الممكنات لتلافي ضعف الحكاية المروية وتجاوز الهنات في مسار السرد.

وفي الوقت الذي يستطيع فيه أيّ شخص تقريبا لديه فكرة ما، أن يجلس ويدوّنها على شكل رواية، بغض النظر عن جودتها، إلا أنّ كتابة قصة قصيرة تتطلب قدرة وموهبة وامتلاك أدوات تقنية معيّنة من جانب المؤلف، وهذا لا يعني بالتأكيد أن كتابة الرواية أمر سهل ومتاح للجميع، خصوصا في حال الروايات الجيّدة، لكن ما قصدته هو صعوبة سرد حكاية كاملة بعدد كلمات قد لا يتجاوز الألفي كلمة.

لكن هل أن القصص القصيرة ليست مثيرة للاهتمام مثل الروايات؟ هل هي قطعا أدبية أقل جودة؟ أم أن القصة القصيرة الجيّدة هي بالفعل شكل فني لم يتعلّم معظم الكتّاب إتقانه؟

في الواقع، على الرغم من وجود الكثير من المشتركات بين فنّي القصة القصيرة والرواية، كالشخصيات والحوار والحبكة، إلاّ أن التحدي الحقيقي في كتابة القصّة القصيرة يكمن في التكثيف ومحدودية المساحة السرديّة، ولعلّي لا أكشف سرًّا إذا قلت أنّ النص الإبداعي بشكل عام، كلّما قصر كلّما ازدادت كتابته صعوبة، وهذا الأمر ينطبق، إلى حدٍ كبير، على فنّ القصة القصيرة جدًّا وقصيدة الومضة وقصائد ما بات يُعرف بالهايكو وغيرها من النصوص المختزلة والمكثّفة والدقيقة.

ومع ذلك، قد يكون السبب في عدم رؤيتنا الكثير من مجموعات القصص القصيرة تتقدم قوائم المبيعات وتحظى باهتمام الناشرين والنقاد والقرّاء، هو أن الكثير من الكتّاب لا يستطيعون كتابة القصة القصيرة وإجادة متطلباتها الصعبة.

ومن الأسباب المهمّة الأخرى هو تركيز الجوائز الكبرى على الرواية، بما في ذلك جائزة نوبل للأدب، فلم نسمع بكاتب قصة سبق أن فاز بالجائزة إلاّ ما ندر، أما في عالمنا العربي فقد تسببت الجوائز الباذخة والمجانية وغير المنضبطة التي خُصصت للرواية، لاسيما جائزة “كتارا” الهجينة التي فتحت الباب حتى للروايات المخطوطة، وهذا أمر لم يحدث في أي مكان في العالم، تسببت في إقبال منفلت هو الآخر، على كتابة الرواية من شرائح مختلفة أغلبها لا علاقة له بالأدب، طمعا في المبالغ الكبيرة، كما تسببت بهجرة الكثير من كتّاب القصة والشعراء والنقاد ودور النشر إلى الرواية.

والكاتب، سواء كان محترفا أو هاويا، الذي لا يفوز نصّه المخطوط بجائزة “كتارا” وأحد مبالغها الضخمة، نراه يسعى لنشره بطريقة أو بأخرى، حتى لو اضطر لدفع مبالغ كبيرة للناشرين، فتراكم الكم الروائي الهزيل وشوّش على النتاج الجيد وبات القرّاء والنقاد في حيرة من أمرهم لجهة تفحص واكتشاف الروايات الجيدة، وأقل ما يمكن وصف هذه الحالة المختلّة التي تسببت بها تلك الجائزة، أنها جريمة وتخريب خطير، سواء كانا عن دراية أو من دونها.

ولعل تخصيص جائزة “الملتقى” في الكويت مؤخرا، لفن القصة القصيرة حصرا قد أسهم، ولو بشكل محدود، في ديمومة فنّي القصة القصيرة والقصّة القصيرة جدًّا الآسرين والمهمين وإعادتهما إلى الواجهة.

14