القصدية والمعنى

الجمعة 2015/01/09

هناك بعض الكتب التي يحتفظ بها الإنسان في أحد رفوف مكتبته ولا يقرأها إلا بعد سنين طويلة، وهذا ما حدث لي مع كتاب الصديق الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي الموسوم “الشعر رفيقي” الذي أرسله إليّ في عام 1991 كهديّة عن طريق صديقنا المشترك الروائي العراقي عبدالمجيد الربيعي. في الليلة الماضية وبعد 23 سنة من انتظار هذا الكتاب لي، قمت بفتحه بتلقائية ورحت أقرؤه من السطر الأول إلى النقطة الأخيرة التي أسدل بها الستار عن التنظير لتجربته الشعرية الطويلة والثرية.

توقفت طويلا عند فكرة المعنى وقصدية الشاعر التي أسالت الكثير من المداد في النقد الغربي والعربي بما في ذلك الشاعر حجازي الذي يرى أن “عدم وعي الشاعر لقصده ليس دليلا على انتفاء القصد، فقد يكون خفيا ملتويا حتى يخيل للشاعر نفسه أنه غير موجود، كما أن انتفاء القصد ليس دليلا على انتفاء المعنى. الشاعر قد يقصد وقد لا يقصد، ولكن في الحالين يكتب، يخلق قصيدة تحمل بنفسها معناها”.

موقف حجازي هو إلى جانب الرأي القائل بأن المعنى لا وجود له قبل القصيدة من جهة ولكنه يعتقد من جهة أخرى أن القصيدة لا “يمكن أن تبدأ من فراغ، إذ لا بدّ أن يسبقها خاطر، أو توتر مشحون بالإيقاع، أو فكرة تراودنا” ففي الحالتين نجد حجازي يشرَط القصدية والمعنى بالشاعر في الغالب وليس بالقراء وتنوّع تجاربهم وهوياتهم وحضاراتهم التي تعطي معاني متنوعة، ومختلفة لهذا النص الشعري أو ذاك، كما لا يشرطهما بالمرحلة التاريخية لمجتمع ما.

فالشاعر حجازي يعتبر كل هذه الحالات “صورة ما من صور المعنى”. ولكن هذا الثالوث المتكوّن من “الخاطر، والانفعال، والتوتر” لا يشكل أحدها منفردا أو كلها معا معنى القصيدة لأن مكوّنات هذا الثالوث هي حالات نفسية تمهد لولادة القصيدة، أما الفكرة الأولية التي تخطر للشاعر قبل الكتابة فهي أيضا ليست بالمعنى الكلي للقصيدة وإنما هي نقطة الإقلاع، أو الدافع الحيوي المحرك للشاعر ليكتب قصيدته.

ففي إحدى المرات قال المفكر الفرنسي آلان باديو: “إن الشعر لا ينتمي إلى نظام الاتصال. إنه ليس للقصيدة ما تبلَغه. إنها قول فقط ، إعلان، يستمدّ سلطته من ذاته فقط”، خاصة وأنها ليس سوى “هشاشة لغة ضدّ لغة”. لا شك أنَ القصيدة ليست نتاجا لقصدية الوعي وحده دائما، وإنما هي أيضا نتاج لسيلان اللاوعي الذي لا قصدية له، لأن لاوعي الشاعر لا يعي نفسه أو العالم حوله في لحظة كتابة القصيدة.


كاتب من الجزائر

15