القصص والصحافة: من يلاحق من؟

الأربعاء 2014/08/06

هل فشلت الصحف في ملاحقة القصص المؤثرة المستقطبة للجمهور، أم لم يعد هناك ما يفاجئ القراء، بعد أن صار “المواطن الصحفي” منافسا ومصدرا ولم يعد يكتفي بدور المتلقي.

من ينجز دراسة استقصائية لمجموعة من الصحف العالمية الكبرى على مساحة زمنية محددة، سيخرج، ببساطة متناهية، بنتيجة التشابه المخجل في التقارير الإخبارية والتكرار المثير للشفقة الصحفية.

فهل فقدت الصحف الكبرى دورها في صناعة الخبر وصارت تلاحقه من مصادر جاهزة كوكالات الأنباء العالمية، لتعيد طبخ طعام إخباري بائت وفق سلة الإنترنت، وتفقد دورها المستند إلى الحقائق، والهادف إلى إحداث تأثير وإقناع الناس بالقيام بعمل ما إزاء القضايا المهمة.

الصحافة “سوق مريضة” ليس بسبب الاختلالات التي أسهمت في توقف بث بعض وسائل الإعلام بعدما دخل السوق عدد من اللاعبين الجدد، بل لأن الصحف نفسها لم يعد أمامها متسع من البدائل لصناعة قصص إخبارية تراهن فيها على القراء الأوفياء، فجيل الويكيبيديا وفق تعبير بيان الإنترنت، أسرع في الوصول منها إلى درجة لا يترك فيها لصحيفة اليوم التالي غير التداعيات، في صناعة تغيرت مفاهيمها كما تغير معها سلوك القراء ولا يمكن العودة به إلى الوراء.

ربما لهذا السبب وصف مارك طومسون المدير العام السابق لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” "قواعد الحياد على شاشات التلفزيون بالقديمة التي أضحت لا مكان لها اليوم في المجتمع الإعلامي المفتوح على الإنترنت"..

طومسون الذي ترأس مؤسسة إعلامية كبرى، تبث بعدد من اللغات، وقف ليكون أول من يدفـع عربـة “الحياد” إلى المتحـف من أجل المحافظة على الجمهور! لأنه شكك في البقاء على احتكار الأخبار في المستقبل مع توفر البدائل في فضاء الإعلام الإلكتروني.

بينما أعادت الصحفية ماك كينون التي تعد من بين أكبر الناشطين في الدفاع عن حرية الإنترنت، تعريف محتوى الصحافة المتميز بإعداد التقارير بالتنقيب عن المعلومات وإضافة تحليل للموضوع ووضعه في السياق المناسب بطريقة لا تتوافر مسبقا على غوغل.

وهي بذلك تمنح متسعا أمام الصحف لإيجاد قصص إخبارية غير مكررة، على الأقل للاحتفاظ بعدد من القراء، كما لا تدع الموضوعية الزائفة –وفق تعبيرها- تقلل من شأن الأخلاقيات المهنية.

وترى كينون أن "المنحى الصحفي الأميركي الكلاسيكي للموضوعية (هو خاص بالولايات المتحدة الأميركية)، فإذا نظرت إلى الصحافة في أوروبا، فستجد أن الصحيفة يمكن أن تكون أكثر ارتباطا بالأحزاب السياسية أو المواقف الفكرية، ومن الشائع في الكثير من أنحاء العالم أن تكون هنـاك صحافة يتابع الناس مـن خلالها الحقائق، وتقدّم فيها الحقائق مع إدراج وجهة نظر سياسية أو أخلاقية، ولسبب ما فإن الكثير من كليات الصحافة الأميركية تتصرف وكأن هذه الظاهرة غير موجودة".

ثمة ورش عمل ومخططون داخل كبرى الصحف العالمية يعملون اليوم مـن أجل اقتراح البدائل المتاحة والتخلص مـن حلقـة زمنية لم تعد تدور في الإعـلام المعـاصر، لكن سرعة الإعلام الرقمي أكـبر بكثير من أن تلحـق بهـا التغيـرات المفترضة في الصحف.

الصحف تفقد حتى قراءها الأوفياء بقدر الأسئلة المتراكمة أمام محتواها، والإعلام الرقمي يتفوق في السباق، والجمهور في انتظار قصص صحفية لم يرها ليلة أمس على الشاشات ولا على جهازه المحمول.

18