القصف في سوريا، والرقص في طهران

الأربعاء 2013/10/09

بدأت واشنطن وطهران علاقة جديدة، أسس لها اتصال هاتفي سريع أجراه الرئيس الأميركي باراك أوباما بالرئيس الإيراني حسن روحاني، وقد انشغل المتابعون الغربيون والعرب بهذا التقارب «المفاجئ» أكثر من انشغالهم بالحدث السوري، الذي يبدو أنه بات من الممكن إرجاء الحديث عنه ريثما يتم تلطيف الأجواء بين العدوين السابقين.

البوادر الأولى لهذا التقارب بدأت بالظهور من خلال تسريبات تفيد أن إيران أوعزت لتابعها حزب الله اللبناني بسحب جزء من مقاتليه من الأراضي السورية، وستظهر نتائج أخرى تباعاً من خلال ضغوط قد تمارسها واشنطن على بعض المعارضة السورية كي تلين وتتخلى عن التمترس خلف «الرغبة الشعبية» وتوافق على الذهاب إلى جنيف، كي تحاور النظام الذي سيمتثل بدوره لتوجيهات على شكل «مقترحات» إيرانية روسية، وليس مستبعداً، والحالة هذه أن يتم إسقاط بشار الأسد من الصفقة، طالما أن الاستثمار على بقائه قد انتهت صلاحيته وقد تحقق المطلوب تماما، وسيكون الملف النووي الإيراني مكافأة دسمة للنقاش حولها وهي تسيل لعاب الرئيس الأميركي الذي فشل على ما يبدو حتى الآن في إنهاء أي ملف عالق، ومن بينها طبعا الملف السوري، ولهذا فإن المرتقب خلال الفترة القادمة تكثيفاً غير مسبوق على خط مباحثات سرية وعلنية لاستكمال عقد مؤتمر جنيف، وفق شروط يتفق عليها الرعاة، بحيث لا يخرج أي منهم مهزوماً طالما أن طهران قد رفعت جزءاً من ثقلها الداعم للأسد، وبانتظار أن ترفع ما تبقى من دعمها له، لينكشف في النهاية، ويبدأ بالشعور بعجزه عن التباهي بقدرته على الصمود، وهو الصمود المشفوع، وكما يعلم الجميع، بقوة ضاربة يجسدها الحرس الثوري الإيراني الذي يقود مسؤوله قاسم سليماني العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية، ضد مقاتلي الجيش الحر.

إذن، سيكون جنيف2 موعدا ثانيا غير معلن تضربه واشنطن مع طهران للسير إلى الأمام في علاقتهما والتوصل إلى اتفاق، قد لا يرضي ظاهرياً إسرائيل التي أثار التقارب اللفظي حفيظة قادتها، لكن التطمينات التي لم يتم تسريب تفاصيلها، هدأت روعهم قليلاً وجعلتهم ينتظرون بشيء من القلق، ما ستفسر عنه خطوة إدارة أوباما.

وإن كانت طهران تخلت عن بعض عنادها، وتناست وصفها الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر، فإنها ستسعى دون شك إلى امتصاص غضب متشدديها الرافضين لهذه العلاقة غير المشروعة من خلال تصويرها الأمر انتصارا، وسيشكل مرشد الثورة خامنئي بيضة قبان اللعبة الجديدة عبر هز رأسه بتمنع الراغب، هكذا يمكن رسم الصورة من خلال ما رشح منها حتى الآن، لكن ثمة أمر ينبغي عدم تجاوزه بسهولة، وهو الخطر الإيراني الذي يتمثل في تهديداتها المستمرة لدول الخليج العربي، وتدخلها المباشر والظاهر في شؤون البحرين، وامتداد بعض أذرعها العسكرية باتجاه اليمن، فهل ستحصل واشنطن بالمقابل على تطمينات تكون كفيلة بامتصاص ارتياب دول الخليج من هذا التقارب؟

فإن كانت الإجابة بنعم، فهل تقبل طهران أصلا التخلي عن طموحاتها التوسعية والاكتفاء بحدودها الجغرافية والاعتراف بحدود الآخرين، وأما إن كانت الإجابة بلا، فلا بد أن إدارة أوباما ستواجه مأزقاً من نوع جديد، قد لا تكون قادرة على احتمال عواقبه في المستقبل القريب، وذلك أن دول الخليج العربي لن يرضيها أبداً أن يتم التفريط بتحالفها مع واشنطن، وستشكل عامل ضغط يربك حسابات أوباما المتسرعة، ويجبره على إعادة التفكير بالأمر مرتين قبل الإقدام عليه.

كل هذه الاحتمالات تجعل من الصعب تقبل فكرة هذا التهليل منقطع النظير للاتصال الهاتفي بين أوباما وروحاني، ولا الابتسامات، بل والضحكات التي ميزت وجه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وهو يتحدث للصحفيين مبشراً بأفق جديد لهذا التقارب، ثم أين موسكو من كل هذا؟ وهل نجحت إدارة الكرملين في إدارة اللعبة من خلف ستار دون أن تظهر على الشاشة؟، ربما، فموسكو وفق ما تشير المعطيات قادرة وبسهولة على جني ثمار «انتصاراتها» المتلاحقة، إن من خلال تعطيل الضربة الجوية التأديبية لنظام الأسد والتي كان البيت الأبيض قد أعد العدة لها عقب مجزرة الكيماوي في غوطتي دمشق، أم من خلال قرار مجلس الأمن المشؤوم 2118، الذي أدان سلاح القتل، لكنه غفر للقاتل، ولم يفكر بالقتيل.

لا يفصلنا عن مؤتمر جنيف2 سوى شهر واحد وفق ما تشير التسريبات والتصريحات التي ترجح انعقاده في شهر نوفمبر القادم، وحتى ذلك الوقت سيكون بالإمكان مراقبة مقياس واحد لتغير المعادلة على الأرض، والتقليل قدر المستطاع من سيطرة الجماعات الراديكالية من خلال دعم الجيش الحر، حتى بشكل غير معلن، كي يتمكن «طرفا النزاع» من تجنب أي نوع من أنواع الفشل، والذي سيؤدي، ضرورة، إلى انتظار جنيف3، ما يعني عاماً آخر من القتل المجاني والتدمير والتهجير وزيادة الأعباء على دول الجوار التي بدأت أعراض الاختناق تظهر عليها، وليس مستبعداً أن تنفجر، خصوصاً وأن «الأسد» لوح أكثر من مرة بإمكانية نقل ساحة دفاعه عن كرسيه إلى دول أخرى.


كاتب سوري

8