القصور للشعوب

الأربعاء 2015/06/03

لم تكن القصور التي بناها الملوك و”علية القوم” في الماضي، تتيح فقط ممارسة كل ألوان الترف والاستمتاع بالحياة، بل وكانت -ولو ضمنيا- تعد بيانا بليغا على هيبة الدولة وقوتها وثرائها وعزها ومجدها، وكانت تكشف عن رغبة في التفاخر بأن “قصورنا” ليست أقل شأنا ورونقا وجمالا، من قصور الملوك والأمراء في بلدان أخرى اشتهرت بعمارة القصور الملكية مثل النمسا وألمانيا وفرنسا وأسبانيا.

وكانت في بلادنا دليلا على ما كان يتمتع به ملوكنا وأمراؤنا، من الخيال والذوق الفني الرفيع، فقد كانوا يحضرون المهندسين المعماريين المهرة، ويستوردون المواد الخام مثل الرخام من إيطاليا وغيرها، لإضفاء لمسات من الجمال والسحر على تلك القصور، التي تتميز بالتصميم المعماري البديع، والديكورات الجذابة، وتجليات فن الزخرفة.

في معظم دول العالم التي تحولت من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، سقطت فلسفة الحكم من داخل القصور المنيعة، وأصبح الحكام الجمهوريون يعيشون في منازلهم الخاصة، ويديرون أمور الدولة من المقرات الرسمية المخصصة لهم (قصر الإليزيه في باريس مثلا).

أما القصور الملكية السابقة الشامخة التي عاشت فيها الأسر الملكية في الماضي، فقد أصبحت في معظمها، بموجب مبدأ الحكم باسم الشعب، متاحف مفتوحة للجمهور، يزورها أبناء الشعب، ليطّلعوا على قاعاتها وغرفها وحماماتها ويلتقطون الصور التذكارية داخلها.

هذا ما حدث للقصور الملكية الفرنسية المرموقة التي تعرفها كتب التاريخ والتي شهدت أروقتها الكثير من المؤامرات التاريخية الشهيرة، مثل قصور فرساي وفونتنبلو وفانسان واللوفر وغراند باليه والكونسير غيري، أو القصور النمساوية الرائعة مثل قصر شلوس وشونبرون وبلفديري، كمجرد أمثلة فقط.

صحيح أن عددا من هذه القصور لا تزال تشغلها بعض الوزارات والإدارات الحكومية، إلاّ أن الغالبية العظمى منها أصبحت متاحف مفتوحة يتردد عليها سنويا عشرات الملايين من السياح، وتدر دخلا قوميا كبيرا للبلاد.

وحتى تركيا التي اشتهرت بقصور السلاطين العثمانيين الفخمة، أصبحت قصورها، وأشهرها الباب العالي في إسطنبول، مرتعا للسياح منذ أن أصدر أتاتورك قراره الشهير بالقضاء على احتلال تركيا غيرها من الدول باسم الخلافة العثمانية.

وتعتبر منظمة اليونسكو هذه القصور أبنية تاريخية لا يجوز المساس بها أو هدمها أو إجراء أي تعديلات على تصميمها المعماري.

أما إذا تأملنا الحالة المصرية كمثال فقط لما آلت إليه قصور الملوك في الدول “الجمهورية” -التي يطلق عليها ساخرا المفكر سعدالدين إبراهيم “الجملوكية”-، سنجد أن القصور الثلاثة المرموقة الشهيرة التي تركتها سلالة أسرة محمد علي، قد أصبحت منذ تحول مصر إلى جمهورية بعد طرد الملك فاروق عام 1952، إلى منشآت عامة تخضع إما لرئاسة الجمهورية، أو للقوات المسلحة.

فقصر رأس التين الشهير في الإسكندرية هو مقر القيادة البحرية، وقصر القبة مقر رسمي لرئيس الجمهورية رغم أن الرئيس يعمل من قصر آخر أصغر يعرف بـ”قصر الاتحادية”، أما قصر عابدين المنيف في وسط القاهرة فيتبع إدارة الجيش.

وهكذا يحرم ملايين المصريين من مشاهدة كيف كان يعيش ملوكهم، وماذا تركوا من أثاث وقطع ديكور ولوحات فنية وغير ذلك، ويحرم السياح من الاطلاع على آثار بارزة لفن العمارة كما يتمثل في هذه القصور.

ولا ندري بأي حق تستولي هذه المؤسسات على القصور الملكية، فهي بهذا تضرب مثالا سيئا للشعب، وحتى إيران “الإسلامية” تفتح قصور الشاه أمام الجمهور والسياح. فمتى تعود القصور القديمة، التي بنيت أصلا من دماء وأموال الشعب، إلى أصحابها الأصليين، أي إلى أبنــاء الشعب، ولو لمجرد “الفرجة” عليها؟

كاتب وناقد سينمائي من مصر

16