القصيدة الأوكسجين والشاعر المقاوم

الأربعاء 2013/12/11

قبل تعرفي على الشاعر فؤاد نجم شخصيا كنت قد قرأت له عددا من القصائد التي كانت تنشرها له آنذاك يومية جريدة " الشعب " الجزائرية، كما سمعت من طرف أصدقائي وزملائي الشعراء والكتاب والإعلاميين الكثير من الكلام الجدي عن مواقفه الشجاعة الصلبة، وعن تحديه للسجن والاستبداد ، وعن خصائص شعره الشعبي الثائر الذي يستمد جماليته العفوية من المواقف المقاومة ومن ضمير شعبه وتاريخ وحضارة وطنه ومن الانتصار لقضايا الانسان وحقه في الحياة والحرية.

إن الفرصة الأولى التي أتاحت لي الاقتراب أكثر من نبض شعره، الذي يستمد تميزه وجدته من التعبير بقوة الموقف عن الحرية، كانت يوم استمعت إلى قصيدته الشهيرة التي صدح بها صوت الشيخ إمام الرخيم والعميق مثل روح نهر النيل بعد هزيمة 1967.

لقد كانت تلك القصيدة ردَا قويا ضد تلك الهزيمة التي لطمت وجوهنا وخاصة حين كنا نرى بأعيننا ومن خلال شاشات التلفزيون الجيوش العربية تهزم في جبهات القتال، ونبصر موشي دايان، وشارون وغولدا مائير يتبخترون في سيناء والإسماعلية وفي فلسطين المحتلة.

في ذلك الوقت الصعب والمؤلم مثلت تلك القصيدة وقصائده المقاومة للهزيمة انتصارا معنويا لنا على كدمات حرب الأيام الست التي مزقت كبرياءنا وثقبت بظلامها شمس العزة في نفوسنا.

وهكذا أصبح شعر الشاعر فؤاد نجم أوكسجين جلساتنا و خبزا يوميا لنا. بعد مرور سنوات طويلة على غبار الهزيمة التقيت بكل من فؤاد نجم وبالشيخ إمام بحديقة فندق "سان جورج" بالعاصمة الجزائرية في الثمانينات من القرن العشرين لعدة ساعات وذلك أثناء زيارتهما لها لإقامة أمسيات شعرية في الجزائر وربط الصلات الثقافية مع الشعب الجزائري.

قبل أن أسترسل في الحديث عن بعض ذكريات ذلك اللقاء أذكر الآن أن مسؤولي هذا الفندق قد ثبتوا ولا يزالون يثبتون صورا للشخصيات المشهورة من فنانين وأدباء وسياسيين على جدرانه لتكون معلما حضاريا يقدم لزواره وزبائنه ولكن صور الشاعر فؤاد نجم والشيخ إمام وغيرهم من كبار الأدباء العرب والجزائريين أيضا لا وجود لها هناك مع الأسف.

أثناء ذلك اللقاء الدافئ كان الشاعر فؤاد نجم صاحب القامة المديدة في غاية التواضع والأريحية ومن حين لآخر كان يفجر النكتة ولكن ببعض الصرامة التي لم تكن تفارق حضوره الملفت للنظر. لقد شعرت بالفرح لرِؤيتي له وللشيخ إمام. بعد أخذ ورد معهما اقترحت عليهما أن أجري حديثا معهما معا وبلطف جميل استجابا لمقترحي. وهكذا دار حوار طويل بيننا سجلته بالكامل ولا أزال أحتفظ به بين وثائقي الخاصة التي لا تزال موجودة في ملفاتي بلندن.

كل ما أذكره هنا عن ذلك اللقاء ليس سوى لقطات خاطفة منه، أتذكر أن الحديث بيننا كان قد دار أولا حول علاقتهما بفترة حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وبخصوص ذلك قال لي الشيخ إمام بأنه كان قد تعرض للسجن في أيام حكمه ولكنه لم يزد عن ذلك شيئا.

أما الشاعر فؤاد النجم فقد اكتفى بالحديث بهدوء عن مميزات تجربته الشعرية وأكد بلهجته المصرية وبوضوح أنها نابعة من تصديه للاستبداد ، ومن معارضته لأنور السادات وصفقته مع إسرائيل ، ومن انتمائه الطوعي لقضايا المحرومين والمظلومين والمهمشين ومن الالتزام بالدفاع عن حقهم في الحرية والحياة الكريمة.

___________


* شاعر وكاتب من الجزائر

14