القصيدة المغيبة

الجمعة 2015/02/06

القصيدة الجزائرية متعددة اللسان منها المكتوبة بالعربية، والمكتوبة بالأمازيغية بمختلف لكناتها، والمكتوبة بالفرنسية، وهناك الشعر الملحون المكتوب باللغة العربية الدارجة. إن هذا الزخم من المتن الشعري الجزائري يعاني من عدم النشر الجيّد والشامل، ومن عدم ترجمته إلى اللغات الأجنبية الحيّة، وأكثر من ذلك فإن الشعر الجزائري المكتوب باللغة الأمازيغية لا يزال غير متداول بين الجزائريين لعدم تعريبه، والشيء نفسه يقال بالنسبة إلى الشعر الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية.

كما نرى فإن هذا العائق يمثل جدارا فولاذيا يحول دون إقامة القصيدة الجزائرية، في تنوّعها، لعلاقة التواصل مع القراء سواء في داخل الفضاء الوطني أو خارجه. من الصعب جدّا التحدّث، في مثل هذا الوضع، عن هوية القصيدة الجزائرية بكل مفاصلها وتفاصيلها في ظل غياب عاملين آخرين وهما النشر الشامل وتكريس النقد الجاد لغربة الحركة الشعرية الوطنية عبر التاريخ.

لا شك أن الجزائر تملك الشعر الطليعي والشعراء المهمّين في جميع اللغات المعمول بها أدبيا في فضائها غير أن إهمال هذا التراكم، أو هذه الحصيلة التي تمتدّ لسنوات طويلة، قد لعب دورا سلبيا في حجب أجمل الأعمال الشعرية عن القارئ الجزائري قبل القارئ العربي. لا شك أيضا أن مجمل الشعر الجزائري له ما يميّزه عن غيره من الشعر في المشرق العربي ولكن هذا التميّز تعرض بدوره ولا يزال إلى النسيان وهذا مشكل كبير خاصة في ظل غياب حركة نشر وتوزيع عصريّة مدروسة بإحكام على مستوى الداخل وعلى المستوى الإقليمي والدولي.

السبب متعدّد الذيول وفي المقدمة غياب المشروع الثقافي للدولة الجزائرية وسيطرة الموظفين الإداريين على الشأن الثقافي بصفة عامة، فضلا عن المرض المتفشي في وزارة الثقافة الجزائرية التي تنظر إلى الثقافة كفلكلور وتنشيط موسمي يدركه الموت، قبل أن ينزع عنه القماط، كما أن أغلب هذا النشاط السطحي يتسم بالنزعة الترفيهية، والتجارية المبتذلة إلى جانب تحويل هذا النشاط إلى مجرّد ترضيات جهوية لا غير.

ففي اعتقادي إن التنقيب عن مكانة الشعر الجزائري ككل ضمن المشهد الشعري في الأفق الجغرافي المسمّى عربيا، مرهون أولا بتفعيل الدراسات التي تنطلق من الدراسة الجادة للنصوص الشعرية، وهذا عمل كبير جدّا، وهو في الواقع عمل ذو طابع موسوعي، لا يمكن للفرد الواحد أن ينجزه لوحده، إلا إذا ضاعف الله من عمره أو جعله له في قياس عمر سيدنا نوح عليه السلام.


كاتب من الجزائر

15