القصيدة رحلة نحو المجهول

الأربعاء 2014/02/05
علوش يستشهد بقول الشاعر ناظم حكمت في أن الحياة جميلة رغم مآسيها

الرباط – كنت ولا أزال أعتبر التمرّد قلقا وجوديا يعتري الإنسان ليفصح عن رؤيته للعالم والتفاصيل والأشياء والكون. بمعنى آخر هو رؤية نقدية تنبني على فلسفة تؤسس لبناء العالم والكون برؤية مغايرة، رؤية بديلة عن السائد الذي يستكين لأوهامه ويرسخ الرتابة والروتين والتطرف. أقصد رؤية جديدة تنظر إلى أفق بأقصى ما يمكن من الأمل وتعمل في حدود الإمكان والممكن لتشييد هذا الصرح الهائل كل من موقعه.

لا يستقيم حال الشعر إلا بالانزياح عن كل ما هو سائد ومألوف، بل يحتاج إلى تفعيل المتخيل، والاستعارات، وصيرورة الصور، والبلاغة النادرة، وإلا أصبح الشعر تقريريا بلا طائل ولا معنى. الشعر لم يكن يوما لغة عادية وإلا صار رتيبا ونمطيا وبدون روح إبداعية، وما يميّزه عن القول العادي هو كونه يخترق المألوف وينزاح عنه بكل ما أوتي من قوّة إبداعية متجددة، ويحدث حالة الانفصام والتصدّع، لتنزاح القصيدة بذاتها عن هذا السائد اللاشعري وصولا إلى الجوهر الحيّ لفوران الشعر الذي تنتسب له دوحة وشجرة أنساب شعراء كل المعمورة وكل القارات الخمس.

مفردات

لا أجد صعوبة في اختيار مفرداتي الشعرية، إذ تشكل هذه المفردات جزءا مهمّا في حياتي قد تصل إلى حدّ الاستعارات التي أعيش وأحيى بها وعبرها. ولا أعتقد أني أبالغ إذا قلت إن الشعر أصبح نفسا يوميا بالنسبة لي، وأصبحت مشاهد الحياة من موقع رؤيتي للأشياء مقاطع شعرية، ولقطات مدهشة للسينما، ولوحات مفتونة بالتشكيل، ورغم كل المأساة التي نعيش حالاتها الآن لا تزال الحياة جميلة على حدّ قول الشاعر الأممي ناظم حكمت.

تخطيط ساي سرحان

مخاض القصيدة

كل قصيدة تستجيب إلى طبيعة ولادتها، فهناك القصيدة المستعصية التي تتطلب مخاضا عسيرا علها تجد طريقها إلى الولادة، وهناك من تبقى حبيسة هذه الشروط القيصرية، فمن نص لآخر تختلف وتتعدد وتتنوع طبيعة هذه الولادة. القصيدة لا تصبح طيّعة، إلا بعد أن تتضح معالمها، فهي رحلة نحو المجهول، نحو اللامتناهي، رحلة نحو اكتشاف مغاوير الذات وتناقضاتها، تمظهراتها وتجلياتها أيضا هي رحلة نحو فك وتفكيك حالات الالتباس والغموض التي قد توجد عليها الذات أحيانا، في هذه الحالة أو لِنقُـلْ الحالات، كيف للقصيدة أن تكون اعتيادية..؟ لا أدّعي الكمال في ما يخص تجربتي الشعرية، ولأني أيضا لا أقول أني في بداية الطريق فإني بالتأكيد في منتصفها، هذا المنتصف يقارن بربع قرن من التجربة في الكتابة، لا أنكر أني في مراحل سابقة اقتفيت أثر الآخرين، استفدت من متخيلهم، وتقنيتهم في رصّ النصّ الشعري.

أما الآن فأعتقد أنه آن الأوان لأفصح وبعمق عمّا يخالجني من فوضى وما تعتريني من انكسارات تجعلني بالضرورة غير راض عن العالم، أليس الإبداع هو الرؤية النقدية والمغايرة للعالم. عبر التراكم المستمرّ والمتواصل ينتقل المبدع بقوة الإنتاج، إنتاج النصوص العديدة والمتعددة، المتنوعة والمختلفة في آن، من مرحلة الكمّ إلى الكيف، والكيف يؤكد لدى المبدع أنه تجاوز مرحلة التقليد ومحاكاة الآخرين، وهو بداية الانصهار نحو جديد الذات وأفقها الإبداعي.

بحثا عن الأبهى

قصيدة النثر قصيدة إشكالية بالأساس ومغايرة وغير مهادنة، قصيدة مفعمة بالتناقضات في المعنى والشكل معا، قصيدة ثائرة على كل ما هو تقليدي ونمطي وعادي واعتيادي، من هنا تتجلى قوتها في الفعل الإبداعي كامتداد للحداثة والتحديث ولما بعد الحداثة أيضا. في شعاري “إنها لقصيدة حتى النثر” وهو تصوّر ذاتي للكتابة الشعرية أحاول بلورته من خلال انتمائي للكتابة الشعرية، وعلى المستوى الشخصي أصبح دليلي للانصهار في آفاق القصيدة وتداعياتها ولا أدّعي أني أؤسس -العمل على المأسسة- عبره لمدرسة أو تيار في الكتابة، فهذا ليس من شأني ولا يهمّني بتاتا، إنها مقاربة في اختيار النص الأنسب، والنص المشتهى، والنص الآسر لجدل الحواس ليس إلاّ.

* شاعر من المغرب

14