القصيدة عتبة المغامرة والشاعر مغامر بلا لسان

الخميس 2014/10/09
كل مقطوعة شعرية عند كربوط تبدو مضغوطة كطبقات متنوعة من التشكيل والتخييل

صدر عن “دار مرسم” بالمغرب، للشاعر نزار كربوط ديوان بعنوان “سقف من فراشات”. وهو لحظة شعرية مكتنزة بعد ديوانيه “رماد عاشق ” و”أحمري يبتلعه السواد”. و يبدو كربوط في منجزه الشعري هذا موغلا في التفاصيل إلى حد تتحول معه الذات المتكلمة إلى خيط راقص بين المشاهد على تناقضاتها؛ استنادا على متواليات تركيبية منضدة باستعمال لغوي كثيف لا يخبر، بل يلمح ويشير. فتبدو معه كل مقطوعة شعرية مضغوطة كطبقات، على قدر متنوع من التشكيل والتخييل. وهو ما سنقوم بتجلية بعض ممكناته التعبيرية والرؤيوية.

لا أخفي أني سامرت تجربة هذا الرجل في الحياة والكتابة، وأدركت دون حجب أو عواطف غافلة، أنه من طينة الشعراء الذين لا ينامون على اليقين ولا يقتاتون معرفيا على الرواسب والحقائق المتكلسة. ونزار كربوط بهذه الصفة يمسك النص بقوة الحرائق والاحتمالات، ليبدو جديرا بالشعر.

وهو ما يحفز في المقابل على طرح السؤال حول الإضافة المحتملة في هذا الديوان، الإضافة التي تتولد من خلال وعي الشاعر بأدوات اشتغاله في مساره الشعري، بخلاف مراكمة الأغلفة دون انعطافات ولا آفاق جمالية وتخييلية.

قد يكون السرد رهانا لرصد التفاصيل والسعي إلى الإحاطة بها ضمن قبضة القصيدة


حضور الذات


ديوان”سقف من فراشات”، يتكون من قصائد معدودة، لكنها متفرعة كشجرة أنساب وهي: كأنه شاعر وغياب صفر كالوري ومقص يلاحق معطفي ولماذا ترسمها عارية هكذا وللضوء حكمة أخرى ودانتيل.

تحضر الذات بشكل لافت للنظر في هذه المجموعة، مثلما في مجموعتي الشاعر السابقتين. والأكيد أنها ذات تتشكل جماليا بدورها، وتتبلور كعماد خطاب على قدر كبير من المرتكزات المعرفية والحياتية الممتدة إلى اللغة، لتجذب التناقضات وتقولبها في حبات الاستعارة والترميز.

والأجمل أن الذات هنا اغتنت وبدأت تبحث عن موقع شعري حواري يثير الأسئلة العالقة بين المكان والزمان، مكان خاص تحول إلى معبر جماعي في الذاكرة والتصور. ونفس الأمر بالنسبة للزمن الذي يفقد معالم المرجع. فاحتشدت القصائد الناضحة بحوارات شعرية مع النادل، السيجارة، البياض، اللوحة، الغياب، المقص، العري، الظل.. قد يخلق ذلك تعميقا لهذه المفردات إلى حدّ تتحول معه إلى قنوات لتمرير حالات ومواقف، مشاعر ورؤى.

وأظن أنها مهمة إبداعية جليلة يختلف فيها الشعراء قدرة أي تحويل الكلمات المنتقاة إلى كائنات لها حياة جديدة وتموقعات أخرى غير رتيبة. طبعا بفعل المياه التي تجري في الداخل، مياه المعنى وقوة المعايشة بالحواس في اللغة. نقرأ في نص “كأنه شاعر”: لم يعد يتذكر ملامح الكراسي/ التي جالس فيها أحزانه الوفية/ يسترجع آخر مرة نسي فيها موعده/ مع قصيدة صغيرة/ تقلد مشية المتنبي/ وصوت مجاز جريح/ لم تلتئم كلماته بعد”.

فالذات المتكلمة في النص، تنصهر في ذاك الجماع المدعو “نصا”، حيث تأتي في حلل جديدة كممكنات تخييلية ورؤيوية مغايرة، في حاجة دائمة إلى كشف وتأويل. وهو ما يثبت أن الذات عماد شعرية هذه الأضمومة، الذات كفعاليات نفسية وحدسية. فتنطرح في النص أو في تلك المساحات العالقة حياة أخرى ملازمة أمام سطوة الواقع واليومي، فكان البحث محموما عن المعنى، ضمن الابتذال والتنميط الطاغي والساري.

الذات اغتنت وبدأت تبحث عن موقع شعري حواري يثير الأسئلة العالقة بين المكان والزمان


رصد التفاصيل


بناء على هذا العرض، فالديوان زاخر بعدة أنفاس منها النفس السردي الماثل في حكي شعري له ميسمه الخاص على مستوى التتابع غير الحدثي، بل تسلسل حالات عبر توصيف شعري يخرق المطابقة.

هنا قد يكون السرد رهانا لرصد التفاصيل والسعي إلى الإحاطة بها ضمن قبضة القصيدة. ويبدو أن الشاعر على وعي بهذا الحضور للسرد ضمن البناء الشعري الذي يكسر خطية الزمن والحكي، ويستحضر الحدث ليستبطنه إلى حدّ يقربه من الحالة.

ولا يتأتى ذلك إلا من خلال توصيف شعري يعتمد الخرق في ما يتعلق بأطراف الوصف، لأن كل تلك الأطراف لا تمرّ إلا عبر الذات، فتتمّ تذويتها. فيسقطنا هذا في البعد الأوتوبيوغرافي والذي نراه حاضرا هنا، من خلال تقديم جوانب عديدة من ذاكرة الشاعر أو يومياته بشكل شعري، يكسر التطابق ويبدد من حدة الدال الواقعي بصور واحتمالات تعمق وتجدد في اتجاه المستقبل.

نعم يمكن عرض بعض المعطيات السيرية عبر الشعر، لكن دون السقوط في نوع السير. لا بدّ، إذن، من خوض تلك المعركة والمغامرة للانتصار للشعر كخطاب مخصوص يمكن أن ينفتح على فنون وجماليات أخرى دون اندغام يكسر الحدود ويقوي من حضور الالتباس. ورد في نص “للضوء حكمة أخرى” في مجوعة “سقف من فراشات”: “كانت تكتب قصائد نثر فوق ظلي/ فكرت أن أقرأها/ لكنني أضعت لساني هذا الصباح”.

بعد هذا الرصد والذي ركز على بعض مفاصل هذه التجربة في “سقف من فراشات”؛ وبالأخص ما يتعلق بالذات وتمظهرها، واللغة وشعرية التكثيف، إضافة إلى البعدين السردي والأوتوبيوغرافي.

لا بدّ من التنصيص، على أن هذه الملامح والممكنات الجمالية حضرت في منجزه الشعري السابق بنسب متفاوتة الحضور والصياغة.

لكن أراها الآن تمددت وبدأت تتشعب على ضوء تعدّد المقروء وامتداد التجربة وقوة المشاهدة والتأمل، الشيء الذي جعلنا أمام نص مركب يرقصك عبر طبقات من التشكيل الجمالي والتخييلي. لهذا فعناصر الإضافة بادية في الاشتغال الدؤوب لهذا الشاعر الذي يعمق الصلة دوما بالحياة والشعر.

14