القصيدة والحوار والتغيير

ربما الكتابة لا تغير الواقع لكن العمل المشترك بين وعي الكتابة ووعي القراءة، هو ما يمهد للتغيير العام والذاتي.
السبت 2019/08/31
الكتابة لا تغير بشاعة العالم (لوحة للفنان سبهان آدم)

سألني كاتب صديق، قائلا: الآن وبعد كل هذه الأعوام من علاقتك بالشعر، هل تغيرت نظرتك إليه، وما الذي يمكن أن تفعله القصيدة في قلب موازين الحياة، ورتابتها وجراحها النازفة؟

حالما استمعت إلى سؤال صديقي هذا، خطر ببالي ما قاله جوزيه ساراماغو: الأدب وحده لا يستطيع فعل شيء، كل الأعمال الأدبية العظيمة التي كتبت على مرّ التاريخ، لم تستطع أن تحول دون الوضع الكارثي الذي نعيشه.

أما أنا فقد قلت لصديقي الذي سألني: أشكرك على هذا السؤال، الذي يتيح لي، وربما أتاح لغيري، موقفا يتسم بالمراجعة، إنْ لم أقل بالتراجع عن مقولات بالغنا فيها، ونحن في ذرى حماستنا وحسن نياتنا، عن دور القصيدة وقدرتها الأسطورية في قلب موازين الحياة -حسب وصف السؤال- وسنكتشف أن تلك المقولات التي نبالغ فيها، ليس سوى قبض الريح، إذ واصل الشعراء كتابة قصائدهم من امرئ القيس حتى يومنا هذا، ومن ملحمة كلكامش حتى آخر قصيدة كتبها شاعر طيب القلب، وما زال العالم على ما هو عليه، وسنعرف بعد حين أن القصيدة في أحسن حالاتها تعبر عن وعي، وهذا الوعي قد يكون مصدره فكريا، وقد يكون مصدره جماليا، فإذا أتيح لها -للقصيدة- أن تتفاعل مع وعي المتلقي، ربما فتحت نافذة على المستقبل، يطل منها الإنسان على شيء من الأمل والتفاؤل، وهي في ذلك مثل جميع ما أنتجه الإنسان من ضروب الإبداع، مما يختزن من طاقات جمالية، مثل الموسيقى والغناء والرسم والسرد، في ما تعبر عنه من وعي ومن ثمّ ما تنتج من وعي.

إن ما تتركه الكتابة بعامة، ومن ضمنها القصيدة من أثر وما تلعب من دور في التغيير، كان وما زال، موضع خلاف وتباين شديد، فبعضهم يرى فيه طاقة استثنائية للتغيير، وبعضهم يراه محض جهد ضائع.

وعلى سبيل المثال، حين قرأت مقولة موريس نادو “إن الرواية التي لا تغير المؤلف ولا تغيّر القراء، ليست بالضرورية، وهذه حقيقة، فبعد قراءة -المحاكمة- لسنا الأفراد السابقين أنفسهم”. وضعت تحتها عددا من علامات التعجب والاستفهام، فهي مبالغة لا تقترب من واقع الحال، ولو كان الأمر كما هو في هذه المقولة، لتخلينا عن كل ما قرأنا من روايات، أو لاتهمنا عشرات الألوف من قراء الروايات، بضعف الإدراك، بينما رأى الفوضويون الروس، إن زوجا من الأحذية، أكثر نفعا من جميع كتابات شكسبير! وهذه حماقة مزعجة لا يستغربها من عرف حماقات المتطرفين، كل أنواع المتطرفين.

إن المتغيرات سواء كانت عامة أم ذاتية، ليست نتاج عامل واحد، بل هي نتاج عوامل عديدة تتشابك وتتكامل، منها فعل الإبداع بما يطرح من أسئلة تتفاعل مع وعي الآخر، لتنتج أسئلة أخرى توسع أفق الحياة وتمهد للتغيير.

إن العامل الثقافي ومن مكوناته القصيدة هو نتاج مؤثرات عامة، تاريخية واجتماعية، من دون أن نلغي العامل الذاتي فيه، وما أقصده في قولي، العامل الذاتي؛ هو المبدع ذاته، وإلا لو تجاوزنا هذا العامل، لكان الإبداع أنموذجا واحدا يتكرر ويكبر من دون أيّ فروق أو سمات خاصة أو مميزات، لكن في الوقت ذاته، إن لهذا العامل سماته التي تترك أثرها على ما هو عام، وليس من إبداع متميز إلا إذا كان من حاضنة تاريخية واجتماعية متميزة، وهكذا يكون التغيير في تفاعل ما هو تاريخي واجتماعي مع روح الإبداع وجوهره، ومثل هذا التفاعل هو الذي يكرس الشخصية القومية ويمنحها قوة الإرادة ويدفع عنها حالات الضعف والانكسار والانهيار.

في العام 1995 وبتاريخ 16 يونيو، كنت قد تلقيت دعوة للمشاركة في ندوة بموسكو، يقيمها الحزب الديمقراطي الليبرالي الروسي، لمناقشة حالات الحصار المفروضة أيامذاك على عدد من البلدان ومنها العراق، وقد استجبت للدعوة بحماسة، ليس لأهمية الأمر الذي ستناقشه فحسب، بل لأنني كنت أود التعرف عن كثب على المتغيرات التي تعيشها روسيا بعد غروب المرحلة السوفييتية، ويومها كتبت رسالة إلى صديقي الشاعر سامي مهدي، وهي منشورة في كتاب “عشرون رسالة ورسالة” الصادر ببغداد في العام 1998، ومما كتبته فيها: أطّلع باستمرار على تقارير صحافية تتناول مظاهر الانهيار في شتى مجالات الحياة وتقدم صورة شديدة العتمة عن الأوضاع في روسيا، لكن لا أزال على ثقة بأن الشعب الروسي قادر على تجاوز مظاهر الانهيار وأسبابها.

ومصدر ثقتي هذه، أن أمة تقدم للحضارة الإنسانية، غوغول وبوشكين وتورغنيف وتولستوي وديستوفسكي ومايكوفسكي وأخماتوفا وباسترناك وتشيخوف وسولجنستين وغيرهم، لا يمكن أن تفرط بخصوصيتها وتتنازل عنها.

وكتبت في رسالتي: إن الأمم العريقة التي تتوفر على عمق حضاري، تصاب بحالة من أسوأ حالات الوهم حين تدفعها أوضاع شاذة وسلبية للبحث عن مقومات مشروع نهضتها في محيط خارجي، والأمة الروسية لن تحقق سعادتها بانتشار محلات الهمبرغر وبنطلونات الجينز والسيارات الرياضية وعصابات المافيا والدعارة.

وأخيرا أستطيع القول، يذهب بي الظن إلى أن ما أشار إليه سارتر، عن العمل المشترك بين وعي الكتابة ووعي القراءة، هو العامل الذي يمهد للتغيير، العام والذاتي، وما دمنا بصدد القصيدة والتغيير أود أن أتوقف عند رأي ملفت للنظر قال به إيميه سيزار، “الشعر، إعادة غزو النفس بالنفس”، وأتساءل إنْ كان يريد من هذا الرأي، كون الشعر مثل جميع الفنون، حيث يبدأ الحوار بين العمل الفني، قصيدة كان أو عملا موسيقيا أو تشكيليا، وبين ذات المبدع، وهذا الحوار ينفتح على ما هو جديد، سواء كان هذا الجديد فكريا فيدرك بالعقل أم جماليا فيدرك بالحدس وبالإحساس، وهكذا يكون التغيير.

أما سوى ذلك مما يعدّ من فنون التعبئة، فهي تقدم الرضا ولا تعنى بالوعي، فتخاطب الآخر بما يعرف وما يريد مما يستقبله من دون أي نوع من أنواع الحوار.

14