القضاء التركي عثماني الهوى في التمييز ضد غير المسلمين

لا يطبق القضاء في تركيا مبادئ الشريعة الإسلامية بحذافيرها في أحكامه، لكن متابعين للشأن القضائي التركي يقولون إنه يتجه تدريجيا نحو اعتماد الأيديولوجيا الدينية الإسلامية في محاولة للاقتداء بالقضاء العثماني المعروف بحيفه في حق غير المسلمين. ويبدو هذا التوجه جليا من خلال تدخل الحكومة والرئيس رجب طيب أردوغان في سير القضاء وفي حياة وشؤون موظفي إنفاذ القانون بوضع تعليمات وقوانين تنأى بهم عن العمل بأريحية وعن تطبيق القوانين بطريقة محايدة وموضوعية.
الأربعاء 2017/06/21
أصوات مناشدي العدالة تتعالى أمام المحاكم

أنقرة – لا يعتمد القضاء التركي عند الحكم على مرتكبي الجرائم على مبادئ الشريعة الإسلامية فلا يصدر أحكاما بالجلد أو الرجم أو بتر الأعضاء أو الشنق في الساحات العامة، ولكنه يتجه تدريجيا نحو الأيديولوجية الدينية محاكاة للقضاء العثماني الذي كان يقلل من شأن غير المسلمين من الناحية القانونية، بل ويذكرهم دائماً بدونيتهم مقارنة بالمجتمع الإسلامي المهيمن من خلال فرض القيود والتعليمات.

ولا تزال تلك القوانين، التي تميز المسلمين عن غيرهم في تركيا في القرن الحادي والعشرين، تقبع في الرفوف، وبغض النظر عن فرض تلك القوانين أو لا، يحدث هذا التمييز لصالح المسلمين المتدينين عن الآخرين، وخصوصاً التابعين للسنة.

ويقول الصحافي التركي بوراك بكديل في مقال نشره معهد جيتستون وهو مركز أبحاث غير حكومي أنه “لحسن الحظ أنه وعلى مدار 15 عاماً لم تتمكن “الإسلاموية” من الترسخ إلى هذا الحد في تركيا”. مشيرا إلى أنه بالرغم من أن تركيا ليست “دولة شريعة” بالمعنى الحرفي، إلا أنه من الواضح أنها تتخذ مسارها على هذا النحو.

تركيا تنجرف الآن نحو تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية دون الحاجة إلى إطلاق اسم «الشريعة» بشكل معلن

وكانت حكومة الرئيس رجب الطيب أردوغان أصدرت في يناير، مرسوما ينص على أن موظفي إنفاذ القانون، ومن بينهم المسؤولين الأمنيين وضباط الشرطة وخفر السواحل، قد يفقدون وظائفهم إذا تزوجوا من “غانيات أو زانيات”. وينص التشريع على أنه لا يجوز لمسؤولي إنفاذ القانون الزواج ممن عرفوا بكونهم غير شرفاء أو الاستمرار في هذا الزواج أو العيش مع هؤلاء الأشخاص. ويُعاقب على هذا الجرم بوقفه عن العمل لمدة قد تصل إلى 24 شهرا.

ويفرض القانون بالإضافة إلى ما سبق قواعد أكثر صرامة ضد شرب الخمر، ولعب القمار، والذهاب إلى الأماكن التي من شأنها أن تدمر السمعة، فضلا عن التبذير المفرط. ويعد النص القرآني القاسم المشترك بين الزنا، وعدم الشرف، وشرب الخمر، ولعب القمار والتبذير، حيث أقر كتاب الله “القرآن الكريم” أنها خطايا في الدين الإسلامي.

وهو ما يمثل مشكلة ليس فقط من وجهة نظر الدولة الحديثة والإدارة العامة، ولكن أيضا من الناحية التقنية. فعندما يتم تعريف وتقييم الجريمة طبقاً للغة القرآن الكريم، سيأتي الحكم تعسفياً استبدادياً، وفق بوراك. ويتساءل على الأساس الذي سوف تعتمده الدولة التركية لتميز بين الشخص الذي يتمتع بنزاهة السمعة وعكسه؟ وكيف سيعرف الضابط مسبقا أن المكان الذي سيذهب إليه للمرة الأولى سوف “يدمر سمعته”؟ وما هي النسبة المحددة للإنفاق من الراتب التي نصف المرء عندها بالتبذير؟

وأصدرت المحكمة في العام الماضي، حكمها على رجل تركي أصيب بجروح خطيرة أثناء قيامه بقتل مطلقته عن طريق طعنها بمفك، بالسجن المؤبد المشدد وفجأة غيّر القضاة الحكم على المدعى عليه ليحكم عليه بـ11 عاما سجنا فقط بدل الحكم المؤبد. وبررت المحكمة ذلك بأنها اكتشفت أن الضحية كانت تخرج مع صديقاتها المطلقات لشرب الخمر، وبعبارة أخرى، حكمت المحكمة التركية بأن المرأة استحقت نصف جريمة القتل بسبب ما كانت تقترفه.

لا تزال القوانين المميزة للمسلمين في تركيا تقبع في الرفوف، ويحدث هذا التمييز لصالح المسلمين المتدينين عن الآخرين

وقذف تركي محافظ في أبريل الماضي سيلينا دوغان، وهي تركية أرمنية عضو في المعارضة التركية، بعبارات مهينة مثل “كلكن عاهرات، أنتن خادمات البيزنطيين”. وبعد أن رفعت دوغان دعوى قضائية ضد الرجل بتهمة السب والإهانة واعترفت المحكمة التركية بأن المحتوى الذي تمت مشاركته على جميع وسائل التواصل الاجتماعي كان في الواقع مهيناً، لكن المحكمة برأت المدعى عليه. وقالت دوغان “هذا الحكم يعطي الحق لأي شخص أن يهين ويسب”.

وأعلن مؤخرا نوريتين يلدز، وهو كاتب عمود في الجريدة الإسلامية “ميلي غازيت”، أنه في الإسلام يجوز للأطفال في سن السادسة أن يتزوجوا. وكان متوقعا في هذه الحالة أن يُعرض هذا الكاتب على طبيب نفسي أو أن يُحاكم قضائياً بتهمة الانحراف الجنسي والتحرش بالأطفال، وهو ما اتهمته به العديد من الجهات الحقوقية التركية والدولية بعد الضجة التي أثارها قوله لكن في الواقع تسامحت العدالة التركية بسخاء مع حرية التعبير هذه المرة، طالما أن المحتوى إسلامي، فضلا عن أن المدعي العام، دعماً لحرية التعبير، أسقط الاتهامات التي صدرت بحق يلدز.

وفي المقابل وضع الموقع الإخباري العلماني، أودا تي في، الذي غضب غضباً شديدا من تصريحات يلدز، صورته في الأخبار تحت العنوان الرئيسي “متطرف ديني مُضلل”. هذه المرة، لم يغفر القضاء التركي تلك الفعلة التي صدرت من الموقع كما فعل مع يلدز. وطالب المدعي العام بالسجن المشدد لمدة 28 شهرا لباريز تيركوغلو، رئيس تحرير أودا تي في بسبب إهانته ليلدز.

ويرى القضاء التركي بأن التصريح بزواج الأطفال في سن السادسة هو أمر طبيعي، بينما تسمية ذلك بالانحراف تعدّ جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن.

وتنجرف تركيا، الدولة نصف المعاصرة، الآن نحو تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية دون الحاجة إلى إطلاق اسم “الشريعة” بشكل مُعلن، لأن أحد الاختلافات الهامة بين الدولة الحديثة والدولة المتيدنة يتمثل في أن الأولى تعاقب على الجرائم التي تضر بالمصلحة العامة في حين أن الأخيرة تميل إلى معاقبة “الخطيئة”.

12