القضاء الجزائري يواجه أزمة ثقة بسبب تورطه في قضايا سياسية

النقابة الوطنية للقضاة تهدد بالعودة إلى الاحتجاج وتكرار سيناريو 2019 في ظل غياب أي تجسيد حقيقي للالتزامات القاضية بتحسين وضعيتهم.
الثلاثاء 2021/01/26
تزايد المطالب بتحييد القضاء

الجزائر- انطلقت الدورة التأديبية للمجلس الأعلى للقضاء في الجزائر الاثنين، للفصل في العديد من الملفات المطروحة أمامه، وعلى رأسها ملف القاضي سعدالدين مرزوق، الموقوف عن العمل منذ نحو عام، والذي أخذ أبعادا سياسية لارتباطه بالتجاذبات التي عاشتها البلاد منذ اندلاع أحداث الحراك الشعبي في فبراير 2019.

وعقد المجلس وهو أعلى هيئة قضائية في البلاد، دورته التأديبية المؤجلة منذ عدة أشهر، للنظر في العديد من الملفات التأديبية المطروحة لديه، لكن ارتباط بعضها بالأجواء السياسية في البلاد، أفضى على الدورة التأديبية متابعة لافتة من قبل المختصين والناشطين في المشهد السياسي.

نقابة القضاة انخرطت في حراك 2019عبر تنظيم مسيرات و إضرابات ووقفات في المباني القضائية، للتعبير عما أسمته بـ”تحرير القضاء من الضغوط والتدخلات الخارجية

ويأتي على رأس هذه الملفات ملف القاضي سعدالدين مرزوق، والنائب العام السابق لمحكمة سيدي امحمد بالعاصمة محمد بلهادي، اللذين أبديا خلال تواجدهما في منصبيهما عن تعاطفهما مع الاحتجاجات السياسية ومع الموقوفين بسبب آرائهم السياسية المعارضة للسلطة.

وفيما تم توقيف الأول عن عمله منذ نحو عام وتكوين ملف تأديبي له، فإن الثاني تم تحويله في بداية الأمر إلى إحدى المحاكم البعيدة عن العاصمة، كإجراء تأديبي قبل أن يحال ملفه على الدورة التأديبية، حيث تم نقله إلى بلدة قمار التابعة لمحافظة وادي سوف في أقصى الجنوب الشرقي للبلاد.

وعللت السلطة القضائية في الجزائر تأجيل الدورة من شهر جوان إلى غاية الآن، بالأسباب الاحترازية التي أقرتها السلطة لمواجهة وباء كورونا، لكن القاضي سعدالدين مرزوق، الموقوف عن العمل والمجمّد راتبه، أرجع ذلك إلى “ترتيب سلطة الأمر الواقع لأوراقها الداخلية من أجل الانتقام من معارضيها داخل الجهاز القضائي”.

يسعد مبروك: العمل القضائي مجال خصب للتدخلات السياسية والمالية في كل المجتمعات
يسعد مبروك: العمل القضائي مجال خصب للتدخلات السياسية والمالية في كل المجتمعات

وكان القاضي المذكور قد أطلق في السنوات الأخيرة، نقابة “نادي القضاة” (غير معتمدة)، وأبدى انحيازه لصالح المطالب السياسية المرفوعة خلال الاحتجاجات السياسية التي عرفتها البلاد خلال العامين الماضيين.

كما قررت نقابة نادي القضاة، مقاطعة الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في جويلية 2019، وانخرطت في حراك الشارع عبر تنظيم مسيرات و إضرابات ووقفات في المباني القضائية، للتعبير عما أسمته بـ”تحرير القضاء من الضغوط والتدخلات الخارجية، وتمكينه من الاستقلالية كسلطة قائمة بذاتها”.

وعرف القضاء الجزائري خلال السنوات الأخيرة تجاذبات غير مسبوقة، كتلك التي تم خلالها الاحتجاج على حركة التغيير والنقل، وتدخل قوات أمنية لتعنيف قضاة محتجين بمدينة وهران، فضلا عن إضراب شل الهيئات القضائية لعدة أيام عام 2019.

وقبل أيام من انعقاد الدورة خرجت النقابة الوطنية للقضاة ببيان شديد اللهجة، هددت من خلاله بالعودة إلى الاحتجاج وتكرار سيناريو 2019 في حالة استمرار الوضع القائم وعدم الإصغاء لمنتسبي النقابة.

وأوضح البيان بأن “الوضعية الاجتماعية والمهنية للقضاة تزداد سوءا في غياب أي تجسيد حقيقي للالتزامات السابقة، والقاضية بتحسين وضعيتهم لجعل القطاع في منأى عن كل احتجاج”. وأضاف “تأجيل الحركة السنوية للقضاة للسنة الماضية، يوحي بوجود نية لتكريس منطق القهر البيروقراطي الممنهج تجاه القضاة، دون مراعاة مصالحهم الشخصية والعائلية”.

وكان رئيس نقابة القضاة يسعد مبروك، قد صرح بأن “العمل القضائي مجال خصب للتدخلات السياسية والمالية في كل المجتمعات، غير أنها تكون محدودة وضيقة جدا في دولة المؤسسات والمجتمعات الديمقراطية، حيث يسود الوعي ومؤسسات المجتمع المدني القوية، فيما تتسع دائرتها إلى حد الهيمنة في المجتمعات المتخلفة المحكومة بأنظمة شمولية، حيث تسود الشعبوية والزبائنية وتغيب أدوات الرقابة، وللأسف الشديد حالة الجزائر أقرب إلى الفئة الثانية”.

ورأى مراقبون أن هذه التصريحات تحمل تلميحا مبطنا لتسيير القضايا من خارج القطاع، وهيمنة التجاذبات السياسية وتصفية الحسابات بين جماعات الضغط في السلطة، عبر توظيف القضاء في إدارة الخلافات السياسية، كما هو الشأن بالنسبة إلى ملفات الفساد المالي والسياسي، حيث تحول الانتقال من الاتهام إلى التبرئة، مصدر حرج حقيقي للعاملين في القطاع.

السلطة القضائية عللت تأجيل الدورة من شهر جوان إلى غاية الآن، بالأسباب الاحترازية التي أقرتها السلطة لمواجهة وباء كورونا

ولم يتوان في الحديث الذي أدلى به لصحيفة “الخبر” المحلية، من التحذير مجددا مما وصفه بـ”عواقب العدالة الانتقائية أو الانتقامية، واستخدام القضاء في معركة كسر العظام بين العصب المتصارعة ما يسيء إلى العدالة ويشوّه سمعة البلاد، وأنه في ظل مجتمع مترهل مؤسساتيا وبائس اقتصاديا وسياسيا ومنافق قيميا، تصبح الحلول الظرفية سببا في تأزيم الوضع بدلا من حلحلته، ولأجل الخروج من عنق الزجاجة، يجب على الجزائريين البحث عن حل يناسب إمكانياتهم ينسجم مع توجهات الأغلبية دون إقصاء”.

ولفت إلى أن “اللوم لا يقع على القضاء العسكري، الذي سبق لي القول إنه قضاء تأديبي للعسكريين أكثر مما هو مؤسسة اجتماعية ذات طابع قيمي. ومن المستحسن التوقف تماما عن متابعة المدنيين أمامه. أما القضايا السياسية، فتتعيّن معالجتها سياسيا بعيدا عن توريط القضاء مدنيا كان أو عسكريا في متاهاتها”.

4