القضاء الفرنسي يحسم الجدل.. البوركيني متاح على الشواطئ

حسم القضاء الفرنسي، الجمعة، الجدل المحتدم بشأن قضية حظر البوركيني، إذ أتاح ارتداءه في ضربة كبيرة لآمال اليمين الفرنسي المحافظ، ولاقى القرار ترحيبا واسعا في الأوساط الحقوقية ولدى أبناء الجاليات المسلمة في البلاد.
السبت 2016/08/27
تعاطف غير مسبوق

باريس - قرر مجلس الدولة الفرنسي، أعلى هيئة قضائية في البلاد، الجمعة، تعليق قرار منع لباس البحر الإسلامي (البوركيني) الذي اتخذته بلديات على ساحل المتوسط ، في ظل غياب “مخاطر ثابتة” على النظام العام.

وهذا القرار الذي رحب به ممثلو المجلس الأعلى للديانة الإسلامية في فرنسا، ينطبق على ثلاثين بلدية اتخذت قرارا مماثلا. وأثارت مسألة منع هذا اللباس جدلا واسعا في فرنسا والخارج.

ويأتي القرار بمثابة ضربة كبيرة لمخططات اليمين الفرنسي المتطرف والذي استثمر حالة الهلع الكبير التي أصابت الفرنسيين عقب الضربات الإرهابية في باريس ونيس لنشر ثقافة الخوف من المواطنين.

ويؤكد مراقبون أن اليمين المتطرف سيواصل حملته المناهضة لأبناء الجاليات المسلمة وأن قضية البوركيني لن تكون سوى حلقة في سلسلة طويلة من الإجراءات التي يسعى المتطرفون اليمنيون لفرضها.

وذكر مجلس الدولة جميع رؤساء البلديات الذي لجأوا إلى مبدأ العلمانية بأن قرار منع ارتياد الشواطئ ينبغي ألا ينطلق إلا من مبدأ النظام العام مع ما يعنيه من “سلامة الوصول إلى الشاطئ وأمن السابحين، إضافة إلى الصحة العامة”.

وقال الأمين العام للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، عبدالله زكري، إن “هذا القرار سيتيح حلحلة الوضع الذي أثار استياء قويا لدى مواطنينا المسلمين وخصوصا النساء”.

واعتبر باتريس سبينوزي، محامي هيئة حقوق الإنسان التي كانت لجأت إلى مجلس الدولة، أن هذا القرار “ينبغي أن يتحول إلى قانون”، مضيفا “نعم، هناك مساس غير متكافئ بحرية الديانات ولا سلطة لدى رئيس البلدية لتقييد هذه الحرية”.

و”البوركيني” هو بدلة سباحة تغطي كامل الجسم ماعدا الوجه واليدين والقدمين، وقد لاقت رواجا كبيرا لدى المسلمات، وهي مطاطية بما يكفي للمساعدة في السباحة، والمصطلح مشتق من كلمتي “برقع” و”بيكيني” الذي يغطي جسد المرأة كاملا بالإضافة إلى شعرها.

مراقبون: اليمين المتطرف سيواصل حملته المناهضة لأبناء الجاليات المسلمة و قضية البوركيني لن تكون سوى حلقة في سلسلة طويلة من الإجراءات التي يسعون لفرضها

ويندرج البوركيني في إطار جدل متكرر في فرنسا حول مكانة الإسلام مترافقا مع قوانين أثارات نقاشات واسعة.

ففرنسا هي أول بلد في أوروبا يحظر في 2010 الحجاب الكلي (النقاب والبرقع) في الأماكن العامة. كما منع الحجاب أو وضع رموز تدل على انتماء ديني في 2004 في المدارس الحكومية.

غير أن فرنسا ليست الدولة الوحيدة التي أصبح تقييد ومنع البرقع والنقاب فيها محط الأنظار بعد موجة من الهجمات في غرب أوروبا وأزمة المهاجرين التي فرضت إعادة النظر في سياسة فتح الحدود الأوروبية.

ففي ألمانيا يريد المحافظون من حزب المستشارة، أنجيلا ميركل، حظرا جزئيا على النقاب أو الزي الإسلامي الذي يغطي الوجه، وفي النمسا دعا ساسة يمينيون إلى حظر النقاب، وفي سويسرا هناك دعوات إلى تصويت شعبي على حظره.

وتذهب القرارات البلدية أبعد من ذلك، فمن دون أن تتضمن بشكل صريح كلمة “بوركيني” تفرض هذه القرارات ملابس تحترم “التقاليد والعلمانية”، لكنها تستهدف في الحقيقة لباس البحر الإسلامي الذي يغطي الجسد من الرأس حتى القدمين.

وبرر رؤساء بلديات عدة قرارهم بضرورة صون “الأمن العام” المهدد برأيهم بملابس “تكشف بشكل صارخ عن انتماء ديني”. ولفتوا إلى الوضع المتوتر للغاية على الساحل المتوسطي منذ الاعتداء الدامي الجهادي الذي أوقع 86 قتيلا في نيس في 14 يوليو.

لكن رابطة حقوق الإنسان اعتبرت ذلك أمرا غير مقبول، والخميس ندد المحامي باتريس سبينوسي الذي ينتمي إليها، بما اعتبره “مساسا بحرية الرأي والمعتقد”. وكان المجلس الإسلامي الفرنسي أبلغ الحكومة، الأربعاء، بشأن “القلق الكبير” لدى المسلمين في فرنسا.

ويجسد الجدل الدائر بشأن حظر البوركيني الصعوبات التي تواجهها فرنسا العلمانية في التعامل مع متشددين من داخل البلاد ومن خارجها بعد هجمات شنها إسلاميون في نيس وكنيسة في نورماندي في يوليو، وبعد أن أصبحت قضايا الأمن والمهاجرين الآن محورية في حملة انتخابات الرئاسة.

وقبل عشرة أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية وفي بلد يحتدم فيه الجدل حول مكانة الإسلام بشكل منتظم لم تبق الطبقة السياسية في منأى عنه.

عبدالله زكري: القرار سيتيح حلحلة الوضع الذي أثار استياء قويا لدى مواطنينا المسلمين

وأكد الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، المرشح إلى الانتخابات التمهيدية الرئاسية اليمينية مجددا، الخميس، رفضه للبوركيني واعتبره “استفزازا”، واقترح أيضا منع الرموز الدينية في الشركات والإدارات والجامعات.

وفي سياق ذلك طالب حزب الجبهة الوطنية اليميني المتشدد توسيع نطاق منع الحجاب ليشمل كافة الأماكن العامة.

وفي داخل الحكومة أثارت المسألة الانقسام، فأدان وزيران قرارات رؤساء البلديات ما يتضارب مع موقف رئيس الحكومة، مانويل فالس، الذي أيدهم باسم الحفاظ على الأمن العام.

واعتبرت وزيرة التربية، نجاة فالو بلقاسم، المدافعة عن حقوق النساء والمعارضة لارتداء البوركيني، أن “تكاثر” القرارات لحظر البوركيني “غير مرحب به” ووصفته بـ”الانحراف السياسي” الذي “يطلق العنان للكلام العنصري”.

ورد فالس بقوله إن هذه القرارات “ليست انحرافا” لكنه أكد، الخميس، “أن كل ما يمكن أن يبدو تمييزا وأي رغبة في مهاجمة الإسلام مدانان بالتأكيد”.

وقال فالس على قناة بي اف ام تي في، “لسنا في حرب ضد الإسلام (…) إن الجمهورية متسامحة (مع المسلمين) وسنحميهم من التمييز”، لكنه اعتبر أن “البوركيني دلالة سياسية للدعوة الدينية تخضع المرأة”.

ونددت رئيسة بلدية باريس الاشتراكية، آن هيدالغو، الخميس، بـ”الهستيريا السياسية والإعلامية”، معتبرة أن هناك “أمورا أخرى أكثر أهمية بكثير في فرنسا”.

وأدلت هيدالغو بهذا التصريح خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس بلدية لندن العمالي المسلم، صديق خان، الذي

قال من جهته “لا يحق لأحد أن يملي على النساء ما يجب أن يرتدين… الأمر بهذه البساطة”.

وحذر مسؤول فرنسي بارز في الحكومة من الخطوات الخاطئة التي من شأنها أن تزيد التوترات التي تصاعدت منذ دهس تونسي لحشد من الناس في نيس في الشهر الماضي مما أسفر عن مقتل 86 شخصا ومنذ ذبح شبان متشددين لكاهن كاثوليكي في منطقة نورماندي.

وقال المسؤول الفرنسي “لدينا الملايين من المسلمين في فرنسا ومعظمهم من المعتدلين أو غير ملتزمين. إذا شعروا أن هذا الموضوع هو المسيطر على النقاش العام فلن يشعروا بأنهم في بلادهم وسيشعرون بميل للتقوقع داخل مجتمعاتهم”.

5