القضاء الليبي يرفض مبدأ محاصصة الأقاليم في اتفاق بوزنيقة

المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا يشدّد على ضرورة توزيع المناصب على أساس الكفاءة.
الأربعاء 2021/01/27
توافقات تصطدم برفض داخلي واسع

طرابلس - تواجه التفاهمات التي توصل إليها الفرقاء الليبيون في منتجع بوزنيقة المغربي، السبت الماضي، بشأن توزيع المناصب السيادية معارضة داخلية شرسة، حيث ندد القضاء الليبي بمحاولات الزج به في معركة المحاصصة الإقليمية والقبلية والجهوية التي أسفرت عنها هذه التفاهمات.

وفيما توالت ردود الفعل بشأن اتفاق تقاسم المناصب السيادية، يرى مراقبون أن الجدل حوله قد يأخذ أبعادا أخرى نتيجة ما يصفه هؤلاء بالتوافق المشبوه بين وفد مجلس النواب ووفد مجلس الدولة الاستشاري الخاضع لسيطرة الإخوان، والذي يأتي ضمن خطة للهيمنة على السلطة في البلاد خلال المرحلة القادمة وفق الولاءات والمصالح وليس بمعايير الكفاءة والخبرة.

وفي هذا الصدد، أكد المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا رفضه الكامل للتفاهمات التي توصل إليها الفرقاء الليبيون، التي تقوم على تقسيم مناصب المؤسسات السيادية على مبدأ المُحاصصة المناطقية والتوزيع الجغرافي، مُشدّدًا على ضرورة توزيع المناصب على أساس الكفاءة.

واستهجن المجلس، في بيان له، الزج بالقضاء في المماحكات السياسية، مؤكدًا أن أعمال الهيئات القضائية ورئاستها منظمة بنصوص قانونية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الركون لرأي أي مجموعة هنا أو هناك لا تأخذ شكل القانون الصادر عن مجلس تشريعي مُنتخب مُوحّد وأن ترد في دستور البلاد الدائم.

وأشار إلى أن السلطة القضائية في ليبيا هي السلطة الوحيدة بين السلطات الثلاث المنتخبة، وفقًا للقانون، والتي حافظت على وحدتها، مُحذّرًا من أن استهدافها بهذا التوزيع يُشكّل تهديدًا حقيقيًا على وحدتها واستقلالها، ممّا يعدّ مساسًا بالمبادئ الدستورية المُصانة عبر ضرب النسيج المتماسك للسلطات القضائية في ليبيا، شرقًا وغربًا وجنوبًا.

ومن جهتها، أعلنت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا تضامنها مع المجلس الأعلى للقضاء حول مخرجات الحوارات السياسية في بوزنيقة، قائلة في بيان، إن “القضاء الليبي هو المؤسسة الوحيدة التي بقيت موحدة خلال هذه المرحلة التاريخية العصيبة التي تعيشها ليبيا (..) القضاء صمام الأمان لضمان وحدة السلطة القضائية المتمثلة في المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة العليا ومكتب النائب العام والمحاكم بمختلف درجاتها وجهاز النيابة العامة”.

صلاح المرغني: المحاصصة تصطدم بالمستحيل لعدم قبولها من الفكر القضائي والحقوقي
صلاح المرغني: المحاصصة تصطدم بالمستحيل لعدم قبولها من الفكر القضائي والحقوقي

وأكدت اللجنة أن التدخل في شؤون السلطة القضائية أمر مرفوض شكلا وموضوعا، وممارسة غير محمودة وتتناقض مع مبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ استقلالية القضاء، ولا يسهم في بناء دولة القانون والمؤسسات التي يتطلع إليها الليبيون.

وأوضح عضو لجنة المسار الدستوري السنوسي القمي، أن “منطق المحاصصة المناطقية مرفوض شكلاً وموضوعا من أغلب أعضاء مجلس الدولة، وسنصدر بياناً بالخصوص”، لافتا إلى أن “رفض المجلس الأعلى للقضاء مخرجات بوزنيقة يؤكد على أن اختيار رئيس المحكمة العليا والنائب العام يخضع لمعايير تقتضيها طبيعة العمل القضائي ويجب احترامها”.

وتابع القمي أن “القضاء الليبي هو المؤسسة الوحيدة التي بقيت موحدة ولم تنقسم خلال هذه المرحلة العصيبة التي تعيشها ليبيا، فيجب احترام هذه الوحدة، ومنطق المحاصصة المناطقية هو المهيمن على أي مخرجات تتعلق بالحوار السياسي الليبي، لذا نحن ندعم المؤسسة القضائية ونتضامن معها بما يكفل استقلالها”.

وكان حراك شباب ليبيا ضد الفساد قد حذر بدوره من تسييس القضاء والدفع به الى أتون المحاصصة، مؤكدا أن “مقومات الدولة المدنية تتمثل في استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، والابتعاد عن محاولة تسييسها، أو التأثير عليها”.

وتأتي هذه المواقف على خلفية اتفاق ممثلين عن البرلمان ومجلس الدولة، خلال مُباحثاتهم على التقسيم الجغرافي للمناصب العليا للمؤسسات القيادية للبلاد، حيث توصل هؤلاء إلى تفاهمات على أن يُمنح إقليم طرابلس، وفقًا للتقسيم التاريخي، مناصب النائب العام وديوان المحاسبة والمفوضية العليا للانتخابات، فيما تُمنح فزّان المحكمة العليا وهيئة مكافحة الفساد، بينما تحصل برقة على المصرف المركزي وهيئة الرقابة الإدارية.

واعتبر وزير العدل الأسبق صلاح المرغني أن محاولة تضمين توزيع المناصب السيادية بما يشار إليه بالمحاصصة لمنصبي رئيس المحكمة العليا والنائب العام تصطدم بالمستحيل لانعدام فرص قبولها من الفكر القضائي والحقوقي ومنطق استقلال القضاء في فصله في المنازعات بين الخصوم بغض النظر عن انتماءاتهم وحالتهم، مشددا على عدم وجود أسباب حقيقية لهذه المحاصصة.

وبدوره، قال رئيس مجلس قبائل الجنوب الشيخ علي بوسبيحة إن “بيان المجلس الأعلى للقضاء يؤكد رفض مبدأ المحاصصة في الوظائف القضائية الذي يعد مخالفة صريحة للقوانين المنظمة للسلطة القضائية (..) ويتنافى مع حياديتها”. وأضاف أن “البيان يتوافق مع الرسالة التي وجهها، الإثنين، إلى قضاة فزان بعدم توليهم منصب رئيس المحكمة العليا تطبيقًا لمبدأ المحاصصة الذي أقره اجتماع بوزنيقة”، مردفا “نشد على أيديكم، وثقتنا بكم كبيرة رجال قضائنا أينما كنتم. وربنا يلهمكم الصواب في أحكامكم”.

وفي أثناء ذلك، أعلن 21 عضوا في مجلس النواب رفضهم لما وصفوه بالمحاصصة والجهوية، مؤكدين في بيان أن تغليب المعيار الجغرافي وترسيخ مبدأ المحاصصة أمر مخالف لأحكام الاتفاق السياسي المنصوص عليها في المادة الثامنة في ديباجة الاتفاق والتي نصّت على ضرورة المساواة بين الليبيين في التمتع بالحقوق السياسية والمدنية، وتكافؤ الفرص ورفض أي تمييز بينهم.

واعتبر هؤلاء النواب أن “أن اعتماد مخرجات حوار مدينة بوزنيقة المغربية لهذا التقسيم هو خرق جسيم للاتفاق السياسي والإعلان الدستوري المعدل، إضافة إلى كونه مساساً بحقوق الإنسان وترسيخاً للتمييز، وتدميراً لمفهوم المواطنة التي تجمع كافة أبناء الأمة تحت مظلتها”.

كما اعتبر 40 عضواً من مجلس الدولة الاستشاري أن اتفاق توزيع المناصب السيادية “منعدم ما لم يصوت عليه مجلسا النواب والدولة”.

وأعلنوا في بيان أنهم تابعوا بكل “قلق واستغراب” ما وصفوها بحالة “المراوحة والتراجع إلى الخلف” التي أسست لها خلاصة نتائج الحوارات الليبية تحت رعاية البعثة الأممية، من خلال تبني منهجية وآلية التقسيم والمحاصصة والجهوية، كمعيار لتولي السلطات والمناصب التنفيذية والخدمية والرقابية العليا بالدولة، مهدرة بذلك مبادئ الكفاءة والمقدرة والخبرة وتكافؤ الفرص والمساواة في الحقوق والواجبات، التي تنادي بها كل الشرائع والدساتير والقانون الطبيعي ومبادئ العدالة والمساواة.

واعتبرت رئيسة مفوضية المجتمع المدني بريكة بالتمر أن المحاصصة في اختيار وتقسيم المناصب تنذر “بغياب تام للمصلحة العليا للدولة”، حيث يتم تقسيم المناصب على أسس جهوية ومناطقية، مؤكدة أن المحاصصة لن تؤدي إلى دولة المؤسسات، وإنما هي تغييب تام للمصلحة العليا للدولة، مستغربة الزج بالسلطة القضائية والمحكمة العليا وديوان المحاسبة في المحاصصة رغم أنها أجسام تحمل في مضمونها المحافظة على أداء العمل التنفيذي والتشريعي.

وأوضح عضو مجلس النواب علي العيساوي أن الاتفاق يُعد “مخالفة صريحة للمادة 15 من الاتفاق السياسي الموقع بالصخيرات في ديسمبر 2015″، وهي المادة ذاتها التي أسست عليها لجنتا الحوار اتفاقهما، والتي جرى “تحريفها” على حد قوله، حيث لا تنص على توزيع المناصب على أساس جهوي، بل إنه لا يوجد بين نصوص الاتفاق السياسي كافة ما يشير إلى ذلك.

4