القضاء المصري ظهير للمطلقات بدعم حقهن في الزواج والحضانة

منظمات حقوقية تخوض معارك كثيرة مع جهات رسمية في مصر منها التشريعي والديني لتعديل قانون الأحوال الشخصية في ما يخص إسقاط الحضانة عن الأم إذا تزوجت.
الخميس 2020/05/21
مصلحة الأبناء أولوية

أظهرت محاكم الأسرة في مصر دعما غير محدود للنساء اللاتي قررن الزواج مرة ثانية وهن أمهات حاضنات، والتعاطف مع ظروفهن طالما أن ذلك لا ينعكس سلبا على تربية الأبناء ومستقبلهم في حضانتهن، وقد تصبح مرونة القضاء بديلا عن تعديل قانون الأحوال الشخصية في ما يخص أسباب إسقاط الحضانة عن الأمهات ومبرراتها ووضع حد لتحوّل المطلقات إلى راهبات.

القاهرة- أصدرت محكمة أسرية في القاهرة، قبل أيام، حكما فريدا من نوعه برفض إسقاط حضانة أم مطلقة لأولادها، رغم زواجها عرفيا، بدعوى أن اتجاهها للزواج بعد الطلاق لا يبرر انتقال الحضانة إلى الأب، طالما أن الزوج الثاني حسن السُمعة وأمين على الأبناء، وهي سابقة ترسخ استخدام القضاء للشق الإنساني في تحصين الصغار من خلافات الأزواج بعد الانفصال.

وضع القضاء الأسري حدا للتطبيق الحرفي لتشريعات عفا عليها الزمن، وكانت تصب في صالح الرجال وكأن غريزة الأمومة تنتهي بمجرد الزواج الثاني، وأضحت الأحكام قائمة على أنه في حال تأكد القاضي من عدم وجود ما يمنع لدى زوج الأم في قبول الطفل ويعامله بشكل جيد، فالحضانة لن تسقط ولن تُعاقب المطلقة على زواجها.

ظلت تجربة الزواج الثاني بالنسبة للمطلقات مغلفة بأجواء من التوتر وعدم الاستقرار النفسي، خشية انتقال الحضانة للأب عندما يثبت أن طليقته تزوجت، بالتالي أضحت التجربة بكل مراحلها مغامرة وتقود لفقدان الأبناء، في ظل تساهل القانون مع الرجل، وحرمان زوجته السابقة من حق إعادة تأسيس حياة أسرية جديدة مع زوج آخر وجدت معه الراحة والأمان.

وأكد محمد سيد أحمد، محام متخصص في القضايا الأسرية، لـ”العرب”، أنه أصبح بإمكان مئات الآلاف من النساء المطلقات الاستفادة من الحكم القضائي، لأنه يتعاطف مع مبررات وقناعات زواجهن بعد الانفصال عن الآباء الشرعيين لأولادهن، ومن شأن هذه الخطوة أن تخفض معدلات لجوء المطلقات إلى الزواج العرفي للهروب من جحيم إسقاط الحضانة عنهن.

وأضاف أن “كثرة حالات الطلاق في المجتمع دفعت القضاة لاستخدام سلطاتهم في تقدير الأمور، فالقانون وضع بالأساس لمصلحة الأبناء، وهناك متغيرات أسرية كثيرة حدثت لم تعد تتواءم مع النصوص القديمة، وهنا يأتي دور القاضي الذي يستوجب عليه أن يحكم بما يحفظ حياة ومستقبل الأولاد، ما يضع حدا لاتخاذ الأبناء وسيلة للانتقام بين الأزواج”.

وجاءت فكرة السلطة التقديرية بنتائج إيجابية ضمنت حقوق المطلقات والأبناء في تونس والمغرب، بعدما أجرت حكومتا البلدين تعديلات على نصوص مواد الحضانة في قانون الأحوال الشخصية، حيث أجازت سقوطها عن الأم في حال الزواج مرة أخرى، إلا أن القانون أعطى القاضي صلاحيات أوسع في حالة تحقق مصلحة الطفل أولا.

90 في المئة من النساء المطلقات يخترن عدم الزواج مرة ثانية
90 في المئة من النساء المطلقات يخترن عدم الزواج مرة ثانية

وأقرب مثال على ذلك، أنه من غير المعقول أن يستجيب القاضي للرجل في المطلق ويحرم الأم من أولادها إذا تزوجت، في حين أنه (الرجل) قد يكون فاسدا أو تاجر مخدرات أو متزوجا من امرأة سيئة السلوك، وإن لم يكن متزوجا يكفي أنه لن يستطيع رعاية الأبناء لانشغاله في العمل، بالتالي أصبح حتميا على القضاء الأسري حسم خلافات الأزواج حول الأبناء بالأبعاد الإنسانية لا النصوص القانونية.

أظهرت دراسة ميدانية صادرة عن جمعية تنمية المرأة في مصر، وشملت 10 آلاف مطلقة، أن 90 في المئة من النساء المطلقات يخترن عدم الزواج مرة ثانية حتى لا يخسرن حق الحضانة ويتم حرمانهن من الأبناء بقوة القانون، وأن النسبة الباقية تلجأ إلى الزواج العرفي حتى لا يستطيع والد الأبناء إثبات الزيجة بأوراق رسمية أمام القضاء.

وخاضت منظمات نسائية وحقوقية مهتمة بحقوق المرأة معارك كثيرة مع جهات رسمية، منها التشريعي والديني، لتعديل قانون الأحوال الشخصية في ما يخص إسقاط الحضانة عن الأم إذا تزوجت، لأن هذا النص يحمل تمييزا وعنصرية صارخة، ويقود إلى تشريد الأبناء واستخدامهم وسيلة لإذلال الأم والضغط عليها لتكون منزوعة الحرية في تقرير مصيرها.

وفي كل مرة، كانت تصطدم الأصوات المنصفة للأم المطلقة بجمود ديني وتشريعي يساند الرجل في الحضانة ولا يبالي بمصالح ورغبات الأبناء، وأعطت هذه الأصوات للكثير من الرجال شجاعة الانتقام من الأمهات المطلقات.

وقالت شيماء مختار، وهي أم مطلقة ولديها بنتان، إن طليقها عندما علم بأنها ستتزوج هددها برفع دعوى قضائية لإسقاط الحضانة عنها، لكن وسطاء تدخلوا لتهدئة الأمور بين العائلتين، شريطة تنازل الأم عن النفقة التي تتحصل عليها شهريا ولا تطالبه مجددا بقيمة الإيجار الشهري لمنزل أولاده، وهي الأموال التي كانت تتحصل عليها بموجب حكمين قضائيين.

وأوضحت لـ”العرب”، أن الكثير من الرجال يستخدمون الأبناء ورقة للضغط على المرأة المطلقة للحصول على أكبر قدر من المكاسب المادية والمعنوية، ومشكلة القانون أنه لم يراع ظروف المطلقات وكيف تكون حياتهن بعد الانفصال، والآلاف منهن لا يجدن الحد الأدنى من متطلبات الأولاد، في ظل تنصل الرجال من دفع النفقة وتسول بعضهن ليعشن حياة كريمة.

القضاء الأسري يضع حدا للتطبيق الحرفي لتشريعات كانت تصب في صالح الرجال وكأن غريزة الأمومة تنتهي بمجرد الزواج الثاني

ولم تقرر شيماء زواجها الثاني إلا بعد أن تخلت عنها أسرتها، وتركتها تتحمل وحدها تبعات قرارها بالانفصال عن زوجها الذي اعتاد التعدي عليها وأولادها بالضرب والشتائم أمام الجيران، حيث تعيش في حي شعبي، ثم اكتشفت لاحقا أن الأخطر من ظلم القانون بحرمان الأم المطلقة من الزواج أن المجتمع لا يرحمها وينظر إليها كأنها خائنة. وإذا اختارت المطلقة أن تتزوج عرفيا كنوع من السُترة والهروب من نظرة المجتمع ومواد القانون التي تجامل الرجل تصطدم برأي ديني يصنف الزواج العرفي بأنه في حكم الزنا، ويعتبر المرأة التي تسلك هذا الطريق وقعت في خطيئة، كأن كل الأطراف قررت أن تنتقم من المطلقة لمجرد أنها تتحرر من سجن الزوجية وتختار لنفسها حياة أسرية هادئة مع رجل آخر يحقق تطلعاتها ويحترم أمومتها.

ورأت عزة سليمان، رئيسة أمناء مؤسسة قضايا المرأة وصاحبة مبادرة “زواجي لا يمنع حضانتي لأولادي”، أن نظر قضايا إسقاط الحضانة بصورة منفردة، كل حسب ظروفها، يضع حدا لإذلال المطلقات بأولادهن، بعيدا عن حرمانهن من الأمومة، حتى لا تلجأ السيدات لطرق أخرى للاحتفاظ بالحضانة كالزواج العرفي، وهذا احتيال نسائي يضيّع حقوقهن.

وأشارت لـ”العرب”، إلى أن إصرار الرجل على أن تكون مطلقته راهبة يقتصر دورها على تربية الأولاد عنصرية فجة، تنعكس حتما على حياتها نفسيا وعصبيا داخل أسرتها الصغيرة، ومن ثم يشعر الأبناء بالغربة الاجتماعية والنشأة غير السوية وعدم الأمان الأسري، وتزيد الأمور تعقيدا عندما يتم استخدام الصغار أداة للتنكيل بالمطلقة.

وفي زمن مساواة الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، يصعب أن يعيش المرء حياته الأسرية والاجتماعية بعد الانفصال بحرية ويتزوج من ثانية وثالثة ورابعة، مقابل حرمان المرأة من أبسط حقوقها بدافع سُترة نفسها وتربية أولادها في بيئة أسرية مستقرة مع زوجها الثاني، لافتة إلى أن تجريد الأمهات من أبنائهن يترك آثارا نفسية يصعب علاجها عند الصغار، وغالبا ما ينحرفون أخلاقيا.

وبغض النظر عن إمكانية تعديل النصوص القانونية التراثية لإنقاذ الأبناء من صراعات الآباء، فإن البديل الأمثل أن تركز أحكام القضاء على مصلحة الصغار بعيدا عن ترسيخ قاعدة ترهب النساء بأن حياتهن الزوجية تنتهي بالطلاق والتفرغ لتربية الأبناء.

21