القضاء المصري يكشف قمة جبل التلاعب في توريد القمح

أخيرا اتضحت الملامح الأولية لجبل الفساد في عمليات توريد القمح من خلال تحقيقات قضائية، بعد أكثر من عام من الحديث عن انتشار تسجيل كميات وهمية من القمح في الصوامع وعمليات خلط القمح المستورد مع المحلي لسرقة الدعم الحكومي.
الاثنين 2016/08/08
فجوة هائلة بين حسابات البيدر وحسابات الحقل

القاهرة – كشف بيان للنيابة العامة في مصر أمس أن التحقيقات في وقائع الفساد المتعلقة بتوريد القمح المحلي كشفت حتى الآن أن القيمة الإجمالية للتلاعب بلغت نحو 621 مليون جنيه (70 مليون دولار بحسب السعر الرسمي).

وأضاف أن النائب العام نبيل صادق أصدر أمرا بضبط وإحضار المشتبه في ارتكابهم تلك الجرائم وكل من ثبت اشتراكه فيها. كما أمر الجهات المسؤولة بوقف صرف أي مستحقات لهم.

وأوضح أن المشتبه بهم من أصحاب المخازن والصوامع تمكنوا من صرف مبالغ مالية قدرها 533 مليون جنيه (60 مليون دولار) بدون وجه حق بموجب مستندات مزورة “للكميات المثبت توريدها على غير الحقيقة” والتي تبلغ نحو 222 ألف طن من القمح.

وقال إن التحقيقات أسفرت عن ظهور وقائع جديدة تتمثل في قيام البعض “باصطناع كشوف حصر بأسماء مزارعين وحائزين لأراض زراعية بتزوير البيانات لإثبات قيامهم بزراعة تلك الأراضي بمحصول القمح وإثبات توريد تلك المحاصيل للصوامع والمخازن على خلاف الحقيقة”.

وأضاف البيان أنه “تبين أن مساحات الأراضي التي أشارت إليها تلك الكشوف المصطنعة مزروعة بالموالح والفاكهة، وقد أقر أصحابها بعدم زراعتهم للقمح أو توريده خلال العام الحالي”.

النائب العام نبيل صادق أمر باعتقال المشتبه بهم ووقف صرف مستحقاتهم لكنه لم يعلن عن أسمائهم

ولم يذكر البيان أسماء المشتبه في ارتكابهم تلك الوقائع أو عددهم لكنه أشار إلى صدور أمر من النائب العام بإدراج أسماء الهاربين منهم على قوائم الممنوعين من السفر وترقب الوصول.

وصدر قرار أيضا بمنع كافة المشتبه بهم وأزواجهم وأولادهم القصر من التصرف في أموالهم وممتلكاتهم أو إدارتها والتحفظ عليها. وكانت مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، قد أعلنت في شهر يونيو عن إجراء تفتيش حكومي على مخازن وصوامع القمح، بعدما أثار رقم أعلى من المعتاد للكميات الموردة مزاعم من مسؤولين كبار في القطاع وتجار وأعضاء في البرلمان بوجود عمليات احتيال وتلاعب.

وفي نفس الشهر شكل البرلمان لجنة لتقصي الحقائق للنظر في تلك المزاعم.

وقال وزير التموين خالد حنفي يوم 15 يونيو إن مصر اشترت نحو 5 ملايين طن من المزارعين المحليين منذ بداية موسم توريد المحصول في منتصف أبريل.

وكانت الوزارة تخطط لشراء 4 ملايين طن فقط في الموسم الحالي. وفي العام الماضي قالت الحكومة إنها اشترت كمية قياسية من القمح بلغت 5.3 مليون طن مقارنة مع 3.7 مليون طن في عام 2014. ويحصل المزارعون على سعر ثابت يبلغ 420 جنيها مصريا (47.3 دولار) للأردب (150 كيلوغراما) بعدما تخلت الحكومة عن خطة للشراء بالسعر العالمي.

ويهدف السعر الثابت الذي يزيد على الأسعار العالمية إلى تشجيع المزارعين على زراعة القمح لكن يبدو أن ذلك شجع البعض على التهريب وبيع القمح المستورد الأرخص ثمنا للحكومة على أنه قمح مصري.

وكان النائب العام نبيل صادق قد ذكر في منتصف الشهر الماضي أن تحقيقات النيابة كشفت عن “قيام بعض أصحاب المخازن والصوامع بالاشتراك مع بعض أعضاء اللجان المشرفة على استلام القمح بالتلاعب في كميات القمح المحلية بإثبات توريد كميات في السجلات تزيد عن تلك التي تم توريدها فعلا”.

خالد حنفي: الحكومة اشترت 5 ملايين طن من المزارعين المحليين في الموسم الحالي

وأضاف أن التحقيقات كشفت أيضا عن “الاستيلاء على كميات من القمح المحلي المدعوم من الدولة واستبدالها بقمح مستورد أقل جودة وسعرا للاستيلاء على فروق الأسعار بينهما، مما يشكل جنايات اعتداء على المال العام من اختلاس وتربح وتزوير”.

ويقول مراقبون وتجار إن أرقام توريدات القمح المحلي في العامين الحالي والماضي تزيد بما يصل إلى مليوني طن على الأرقام الفعلية، ويشيرون إلى أن متوسط التوريد في العقد الماضي لم يتجاوز نحو 3.5 مليون طن.

وكانت وكالة رويترز قد نسبت في الشهر الماضي إلى مسؤولين في شركات مطاحن وتجار قولهم إن الرقم المرتفع جاء نتيجة تسجيل موردين لأرقام غير صحيحة لمخزوناتهم من أجل الحصول على مدفوعات تقدمها الحكومة للقمح المحلي المدعوم وذلك نظير قمح غير موجود فعليا في صوامعهم.

وأضاف المسؤولون والتجار أن استنتاجهم هذا يستند إلى معرفتهم بنشاط تجارة الحبوب ومراقبتهم لزراعة القمح وأرقام المشتريات على مدى سنوات.

وفرضت مصر سلسلة من القواعد الجديدة تهدف لمنع خلط القمح الأجنبي الرخيص بالإمدادات المحلية المدعومة، منها حظر نقل القمح بين المحافظات ومطالبة المزارعين الذين يوردون القمح بتقديم وثائق الأراضي.

وقال عمرو الحيني عضو غرفة صناعة الحبوب التي تقدم المشورة لوزارة التموين بشأن السياسات “لا أعتقد أن الحكومة جمعت أكثر من 2.5 مليون طن من القمح… الباقي على الورق فقط”.

وفي العام الماضي بلغت عمليات الخلط ذروتها عندما اشترت الحكومة كميات قياسية قدرها 5.3 مليون طن من المزارعين المحليين. وأشارت تقديرات إلى أنها خلطت بنحو مليوني طن من القمح الأجنبي الرخيص.

وإذا اتسعت التحقيقات وأثبتت وجود فجوة كبيرة بين المخزونات الفعلية وأرقام المشتريات غير الدقيقة، فقد تضطر مصر إلى زيادة الإنفاق على مشتريات القمح من الخارج لتلبية الطلب المحلي، في ظل أزمة خانقة في العملات الأجنبية.

11