القضاء سجين حكم الميليشيات غرب ليبيا

السياسي الليبي أبوزيد دوردة هاجم في أول ظهور له بعد تجربة السجن، كلا من السراج ووزير داخليته فتحي باشاغا والميليشيات، فاضحا سياسات التعذيب الممنهجة داخل سجون مصراتة وطرابلس.
الأحد 2020/01/12
باشاغا.. مهندس تفكيك مؤسسات الدولة

حكومة الوفاق، المتمركزة في غرب ليبيا، حوّلت السجون الليبية التابعة لها إلى مقار للتعذيب الممنهج في انتهاك صارخ للقانون وعدم اكتراث بمؤسسة القضاء التي سعت إلى تطويعها لفائدتها مهددة كل من يعترض عليها بالقتل والخطف. وقد كشف السجين السابق والسياسي، أبوزيد دوردة، مسؤول الأمن الخارجي في عهد الراحل معمر القذافي سياسات التعذيب المتبعة والفظاعات المرتكبة داخل سجون مصراتة وطرابلس.

تسمع في الليل صيحة رجل يتعرض لتعذيب وصوت السوط وهو يصفر على جسد ما داخل القبو. هنا سجن الردع في قاعدة معيتيقة بالعاصمة الليبية طرابلس، حيث يوجد المئات من المساجين المحتجزين دون محاكمة منذ عام 2011 حتى اليوم.

لا يخضع السجن للنيابة العامة، ولا تشرف عليه السلطات القضائية. وآخر من نجا من الموت، وتمكن من الخروج من سجون الميليشيات في طرابلس، أبوزيد دوردة، مسؤول الأمن الخارجي في عهد معمر القذافي.

توجد العشرات من المقار البشعة التي ما زالت تضم محتجزين معظمهم لأسباب سياسية، وتعود إلى الانتفاضة المسلحة في 2011 والانقسام حول حُكم الدولة في 2014.

تتركز أغلب هذه المقار اليوم في شمال غرب ليبيا، وهي منطقة تمتد من مدينة مصراتة شرق العاصمة بحوالي 200 كيلومتر، إلى مدينة صرمان في غرب طرابلس بنحو 65 كيلومترا.

آخر تقرير معني بحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يقول عن الاحتجاز التعسفي وغير القانوني في ليبيا إن “البيئة الأمنية غير المستقرة، والمقترنة بضعف مؤسسات الدولة، تعرقل سير عمل نظام العدالة الجنائية”.

أبوزيد دوردة يفضح سياسات التعذيب الممنهجة داخل سجون مصراتة وطرابلس
أبوزيد دوردة يفضح سياسات التعذيب الممنهجة داخل سجون مصراتة وطرابلس

ويشير إلى أن محتجزين كثرا يقبعون في السجون، أغلبيتهم دون تهمة أو محاكمة أو حكم. كما أن “المحاكمات التي جرت بالفعل قد أثارت مخاوف بشأن وقوع خروقات لمعايير المحاكمة العادلة”.

ووفقا للتقرير لا تتوفر إحصائيات دقيقة بالنظر إلى انقسام المؤسسات، والعدد الكبير من المراكز المستخدمة لاحتجاز المعتقلين لأسباب ذات صلة بالنزاع، وعدم الاحتفاظ بسجلات وإحصائيات سليمة للمحتجزين.

ملابسات خروج دوردة من سجون الميليشيات تسلط الضوء على هشاشة السلطة القضائية. فمما لا شك فيه أن سطوة التنظيمات المسلحة والإرهابية، منذ سقوط نظام القذافي، أثَّرت بالسلب على تماسك السلطات القضائية ككل.

يعد أبرز مثال على ذلك قرار المحكمة العليا في العاصمة في عام 2014 حين أصدرت حكما بعدم شرعية مجلس النواب، اعتمادا على “حِيلة” قام بها نائبان تابعان لجماعة الإخوان، أحدهما كان عضوا في المؤتمر الوطني (البرلمان السابق)، هو خالد المشري، الذي أصبح الآن رئيسا لمجلس الدولة، والثاني عضو في مجلس النواب (البرلمان الجديد – ويقاطع الجلسات) هو عبدالرؤوف المناعي.

عقدت أولى جلسات مجلس النواب يوم 4 أغسطس 2014. والغريب في الأمر أن الدائرة الدستورية في المحكمة العليا في طرابلس حكمت للمشري، والمناعي، بعدم شرعية البرلمان الجديد، في جلسة المحكمة يوم 6 نوفمبر 2014، استنادا على ادعاء هذين الاثنين بأن هناك تصويتا لم يكن مكتمل النصاب القانوني جرى في جلسة عقدت في البرلمان السابق يوم 11 مارس 2014.

ويقول القاضي في الهيئة العامة للقضاء العسكري الليبي، صلاح الدين عبدالكريم الشكري لـ”العرب”، “كان هذا أمرا غير مستساغ في الأعراف القانونية”.

ومع أنه جرى وقف هذا الحكم في فبراير 2015، على يد المحكمة الابتدائية بمدينة البيضاء (شرق)، إلا أن حكم المحكمة العليا في طرابلس ترك البلاد منقسمة بين سلطتين تنفيذيتين وتشريعيتين. وعطَّل الخلاف إصدار القوانين التي كان ينتظرها الليبيون للخروج من العهد السياسي القديم.

ما زالت معظم القوانين المعمول بها تعود إلى فترة حكم “النظام الجماهيري” للقذافي. وما تم تعديله أو إلغاؤه يتعلق بقوانين كانت ذات طابع اشتراكي وتخص ملكية الأرض وملكية العقارات (مثل القانون رقم 4)، وبعض مواد قانون الإجراءات الجنائية.

في بلد تعمه الفوضى، ويتعرض فيه القضاة ووكلاء النيابة للتهديد بالقتل والخطف، يبدو أنه أصبح من السهل تطويع الأحكام لخدمة أغراض معينة، والتغاضي عن الجرائم أيضا، وكذلك استخدام الأوراق والأختام للإفراج عن إرهابيين. كما أن حياة بعض رجال القضاء أصبحت مهددة من مسلحين لا يخشون العقاب.

ويقول الشكري “لقد عثرتْ قوات الأمن الداخلي على قوائم تضم أسماء المئات لاغتيالهم، بينهم قضاة ومحامون ومثقفون ورجال أمن.. أعدت هذه القوائم جماعات إرهابية. وكثير من تلك الأسماء قتلوا بالفعل. أنا كنت على رأس القائمة، ونقلت أسرتي إلى مكان آمن حتى لا يمسها سوء. وأخذت أنا أتنقل بين العديد من المدن في ليبيا”.

تمكنت الجماعات المتطرفة من تدمير مبان ومنشآت خاصة بسلطة إنفاذ القانون في عموم ليبيا. ويتذكر الشكري قائلا “رأيت حرقَ وتخريب المحاكم والنيابات ودور الشرطة ومعسكرات الجيش على يد الجماعات المسلحة. كل هذه كوارث نعاني منها”.

مؤسسات منقسمة

رغم كل الظروف الصعبة التي تتعرض لها ليبيا، إلا أن البعض يقول إن مؤسسة القضاء ما زالت الوحيدة التي لم تتعرض للانقسام، رغم ضعفها. وهي بذلك يفترض أنها أفضل حالا من باقي المؤسسات التي تفتتت أوصالها بين حكومات متنافسة وميليشيات لا ضابط لها ولا رابط.

مؤسسة الجيش منقسمة، والمؤسسة المصرفية (البنك المركزي) منقسمة، وكذلك مؤسسة النقط. كل هذه الأجسام أصبحت مشتتة، على الأقل بين الحكومة المؤقتة المدعومة من البرلمان، وحكومة الوفاق، المؤيدة دوليا، والتي تدافع اليوم عن آخر معاقلها في مربع على البحر في طرابلس.

ويقول القانوني الليبي، محمد زبيدة، لـ”العرب” “إن المؤسسة القضائية ما زالت متماسكة.. من مظاهر هذا التماسك المحكمة العليا الواحدة، والنائب العام الواحد”.

ويضيف بشأن وجود وزيرين للعدل في الدولة، الأول معين من الحكومة المؤقتة، والثاني من حكومة الوفاق، قائلا “وزير العدل وظيفته إدارية، وليست قضائية.. وبالتالي من الصعب أخذ هذا كمعيار لوجود انقسام في مؤسسة القضاء“.

الأمر أحيانا لا يتعلق بتماسك المؤسسة ووحدتها، بل بقدرتها على العمل، ومن كل حكاية من حكايات الخارجين من السجون الليبية، يمكن أن تصنع قصة مأساوية. في المساء كان يمكن الاستماع إلى العقيد في الجيش الليبي، الهيبلو نصر. كان نصر من آخر الضباط المرافقين للعقيد معمر القذافي في مدينة سرت. تم قتل القذافي، وألقى المسلحون القبض على العقيد نصر. ظل في سجون الميليشيات في مصراتة دون تحقيق، ودون نيابة، ودون قضاء أو قانون.

وبعد رحلة طويلة من العذاب، استمرت لسنوات، تمكَّن نصر في نهاية المطاف من الهروب، وهو مضرج بالدماء، وبلحية طويلة، وملابس ممزقة، إلى درجة أنه حين وصل إلى شارع بيته، لم يتعرف عليه جيرانه إلا بالكاد. ويقول وهو يتحاشى استعادة تلك الذكريات “كانت تجربة مريرة استمرت خمس سنوات. كان معنا قادة من النظام السابق.. كنا تحت رحمة الإرهابيين. هرب من هرب، ومات من مات”.

سجون مصراتة

سجون الردع لا تخضع للسلطات القضائية
سجون الردع لا تخضع للسلطات القضائية

توجد في مدينة مصراتة سجون عدة أشهرها “سجن السكت” العسكري الرهيب، و”سجن الكلية” سيئ السمعة. وتوجد كذلك مقبرة تقع بين البحر وبين المدينة. ومن يلقى حتفه يدفن فيها دون علم ذويه، ودون تدخل يذكر من الجهات القضائية.

وكذلك الحال في سجون طرابلس. أحد أهم هذه السجون هو سجن “الهضبة” جنوب العاصمة. كان هذا الموقع يعرف باسم كلية الشرطة. وكان من بين المسجونين فيه الرجال الأقوياء في نظام القذافي، مثل عبدالله السنوسي، الرئيس السابق للمخابرات العسكرية، والبغدادي المحمودي، آخر رئيس للوزراء في عهد القذافي. ووفقا لتقرير الأمم المتحدة نفسه، فإن سجن الهضبة يتبع اسميا وزارة العدل، لكنه فعلياً ظل خاضعا لجماعة مسلحة.

تم اجتياح هذا السجن في أثناء حروب جرت بين ميليشيات طرابلس في مايو عام 2017، ونقل المساجين إلى مقار احتجاز سرية أخرى تابعة لميليشيا منافسة في العاصمة. اليوم لم يتبق في سجن الهضبة غير صدى أصوات لمعذبين كانوا في الأقبية السوداء المدهونة بالقار، وهي غرف ضيقة تم استحداثها على يد الحكام الجدد من قيادات الجماعات المتطرفة مثل الجماعة الليبية المقاتلة.

ويقول دوردة (76 عاما) في شهادة له عقب خروجه من السجن “كان الأسرى (يقصد المساجين، ومعظمهم كانوا من رجال الأمن) محشورين في علب كعلب السردين.. كثيرون منهم ماتوا”.

وخرج دوردة من السجن بـ”قرار إفراج صحي” في مطلع 2019. ولم يتحدث علانية إلا قبل نحو أسبوعين، وتناول في كلمته المتلفزة شذرات من الماضي، وركَّز في رسالته على مهاجمة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وعلى حكم الميليشيات في العاصمة.. هاجم كذلك ارتماء هذه الكيانات المتحكمة في طرابلس، في أحضان النظام التركي والنظام القطري.

لم يتطرق دوردة إلى تفاصيل ما حدث في تلك الليالي المرعبة، إلا بإشارات قليلة، لكن ما تبقى من أوراق حول فظائع سجن الهضبة، موجود لدى النيابة العامة في طرابلس، وهي أوراق توضح كل شيء، حتى لو لم تتولَ هذه النيابة أو غيرها من الأجهزة القضائية، التحقيق فيها.

حقا إن المؤسسات القضائية في طرابلس، مغلوب على أمرها، مثلها مثل باقي المؤسسات كالجيش والشرطة والمخابرات. يعرقل عمل معظم هذه المؤسسات رجال متهورون يرفعون الشعارات الدينية، ولديهم خبرة في القتال مستمدة من أيام الحروب في مناطق الصراعات حول العالم، مثل أفغانستان والشيشان والبوسنة وسوريا، وغيرها.

ما يشير إلى تسلط بعض القوى في طرابلس على السلطات القضائية، هو أن قرار الإفراج عن دوردة صدر في بداية عام 2018. لكنه لم ينفذ إلا بعد أن أصبح قاب قوسين أو أدنى من الموت داخل السجن. فهو لم يعد في إمكانه المشي إلا بمساعدة عكازين. مع ذلك كانت شخصيته مخيفة للحكومة الضعيفة في طرابلس، فطلبت منه الخروج من ليبيا، خوفا من أن يتسبب وجوده في البلاد في إثارة الليبيين ضد سلطات العاصمة.

اختار أن يكون منفاه الاختياري هو مصر. يتنقل في القاهرة، وهو يعرج بين بعض المنفيين الليبيين الآخرين، طلبا لدفء الذكريات القديمة. زار مقر إحدى القنوات الليبية الواقعة على كورنيش النيل. وأطلق منها خطابا على الشاشة موجها لليبيين استمر حوالي 110 دقائق.

أجندة تركية

دعوات لتحرير البلاد من الميليشيات
دعوات لتحرير البلاد من الميليشيات

هاجم دوردة في أول ظهور له بعد تجربة السجن، كلا من فايز السراج، ووزير داخليته فتحي باشاغا، والميليشيات، وبعض المتطرفين الآخرين. وقال إن كل هؤلاء ينفذون أجندة تركية لتمكين جماعة الإخوان من حكم ليبيا، لكي يقوموا بعد ذلك باستهداف دول الجوار خاصة مصر.

كما انتقد حال القضاء، واصفا النائب العام في طرابلس بأنه تحول إلى “نائب خاص”، وليس نائبا عاما لكل الليبيين.

ولاقت كلمة دوردة للشعب الليبي صدى واسعا، حيث دعا فيها الشباب إلى الانخراط في الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر لتحرير البلاد من الميليشيات.

وردت حكومة السراج والميليشيات التابعة لها، بطريقة غير مباشرة، في محاولة يائسة لاستعادة دوردة من مصر، أو تخويفه على الأقل، حتى يلتزم الصمت.

وأوعزت تلك الجهات لأحد المحامين بتقديم طلب لمحكمة استئناف مصراتة، يدعو فيه كلا من وزير العدل بحكومة الوفاق، والقائم بأعمال النائب العام الليبي، والمحامي العام بدائرة محكمة استئناف طرابلس، إلى إصدار أمر بإلغاء قرار الإفراج الصحي عن دوردة، وإلقاء القبض عليه، ووضع اسمه على منظومة ترقب الوصول والعودة، وإبلاغ الشرطة الدولية (الانتربول) بالأمر لجلبه من خارج ليبيا، وإيداعه السجن.

الطلب المقدم لمحكمة استئناف مصراتة بجلب دوردة وإعادة سجنه، يدعو أيضا إلى تنفيذ حكم الإعدام بحقه “بموجب حكم دائرة الجنايات 14 بمحكمة استئناف طرابلس في الدعوى الجنائية رقم 630 لسنة 2012”. يشير الطلب صراحة إلى أن السبب هو ظهوره يوم 5 يناير 2020 على قناة ليبية تبث من القاهرة “محرضا على الانقلاب على ثورة 17 فبراير، ومشوها لصورتها”.

لقد جرى اعتقال دوردة على يد منتفضي 17 فبراير المسلحين، قبيل مقتل القذافي بحوالي شهر ونصف الشهر. ومنذ صيف 2017 انتقل الرجل من سجن الهضبة إلى سجون قوات الردع، وهي سجون تضم شخصيات كثيرة من أنصار النظام السابق، ومن خصوم تابعين لميليشيات أخرى.

لا تخضع سجون الردع للسلطات القضائية أيضا. وفشلت وزارتا الداخلية والعدل، طوال سنوات، في تحقيق الإشراف الفعلي على مثل هذه السجون التي تُمارس فيها الفظائع بحق المحتجزين من رجال ونساء، مثلما هو الحال مع باقي السجون التي تسيطر عليها الميليشيات المتعددة في مصراتة، وصرمان، وغيرهما.

استفاد دوردة وعشرات القيادات من النظام السابق، ممن صدرت بحقهم أحكام بالإعدام، مثل نجل القذافي، سيف الإسلام، من قرار العفو الذي أصدره البرلمان الليبي في 2015. إلا أن معظم القيادات المتشددة -ومنها وزير داخلية الوفاق باشاغا، بالإضافة إلى المشري، والمناعي- لا تعترف بالبرلمان ولا بقراراته.

يقول القانوني الليبي زبيدة بأنه لم تكن هناك تهم ثابتة على دوردة، “لقد أمضى في موقعه كمسؤول للأمن الخارجي أقل من سنة، كما أن أعماله السابقة كانت كلها إدارية.. وفي السجن تعرضت رجله اليمنى للكسر بسبب التعذيب، حيث لم تكن هناك عناية طبية في السجن”.

ويرى أن ظهور مطالبة من مصراتة بإعادة دوردة إلى السجن مجددا، هو نتيجة لتصريحاته الأخيرة التي هاجم فيها باشاغا، والسراج، والمجلس الرئاسي عموما، وقوله إن حكومة الوفاق السبب في كل المآسي التي تعرضت لها ليبيا في الفترة الأخيرة.

يبدو أن دوردة، من تجربته في السجن، يدرك المشاكل التي شابت عمل القضاء في بلده. ويقول عن أعضاء حكومة الوفاق، والقوى الميليشياوية التابعة لها بأنهم “أفسدوا حتى القضاء.. أفسدوا هذه السلطة التي ينبغي أن تظل دائما محترمة، وحيادية، وبعيدة عن تقلبات السياسة”.

6