القضاء على الثأر في صعيد مصر: جلسات علاج الثقافة بمسكنات أمنية

الثلاثاء 2016/01/12
مبادرات وطنية حثيثة لحقن دماء هذه الظاهرة

تقول أبحاث عديدة قدمت لدراسة مشكلات المجتمع المصري، إن الثأر جريمة حصدت على مدى السنوات الماضية في مصر أرواح المئات في جنوب البلاد، حتى أن باحثين متخصصين يقولون إن ضحاياه فاق عددهم ضحايا كل الحروب التي خاضتها مصر على طول تاريخها الحديث مع إسرائيل. وتشير أحدث إحصاءات أجهزة الأمن في مصر إلى أن نحو 196 قتيلا و214 جريحا سقطوا ضحايا لحوادث ثأر خلال الشهور الخمسة الأولى من العام الماضي، في ثلاث محافظات فقط في صعيد مصر الأوسط، هي أسيوط وسوهاج وقنا، بمعدل قتيل أو جريح يوميا في المحافظات الثلاث.

ولا توجد أدلة تاريخية موثقة تشير إلى أن مصر الفرعونية عرفت ظاهرة الثأر، ويجمع المؤرخون على أن مصر عرفت تلك الظاهرة مع هجرة القبائل العربية إليها عقب الفتح الإسلامي في العام 20 هجري الموافق لـ685 ميلادي، عندما نزحت القبائل العربية آنذاك إلى البلاد.

وتعتبر عادة الثأر إحدى علامات النفوذ والهيمنة في صعيد مصر، وتعد مدينة البداري التابعة لمحافظة أسيوط في قلب الصعيد إحدى أكثر المدن التي تنتشر فيها تلك الظاهرة، ما دفع جهات الأمن إلى إطلاق لقب “شيكاغو الصعيد” عليها للتندر، نظرا لتعدد وضراوة عمليات القتل فيها.

وتقول مصادر أمنية رفيعة “إن معظم أهالي البداري لديهم ثأر ضد بعضهم البعض، وبعض العائلات فيها قد يصل عمر العداوة بينهم إلى أكثر من خمسين عاما”، فاتفاقات الصلح التي تمت بينهم كانت أشبه بهدنات يتم خرقها مرارا، فيما تزداد العمليات ضراوة كلما اتجهت جنوبا، وخصوصا في محافظة قنا التي تشهد على فترات متباعدة أزمات عنيفة بين أكبر قبيلتين فيها، الهوارة والأشراف، وبعضها أزمات استمرت ما يقرب القرن، وتطورت المواقف بين العائلتين فيها إلى درجة “إعلان الحرب” رسميا وكأنهما دولتان.

ويختار الشخص الذي ينوي القصاص وفق تلك العادة المنبوذة ضحيته بعناية فائقة، وينطلق هذا الاختيار من اعتقاد أشبه بالقانون بأنه يجب استهداف “أكبر رأس″ وأفضله في العائلة المطلوب الثأر منها، وفي أحيان كثيرة تكون “رؤوس عدة” في مقابل رأس واحد.

وقد لاحظ الباحثون في السوسيولوجيا أن جرائم الثأر في مصر تزداد خلال شهري يوليو وأغسطس بنسبة 35 في المئة مع ارتفاع أعواد الذرة في الحقول، وبنسبة 26 في المئة في شهر أبريل مع بداية موسم الحصاد، لأن الفلاحين يبيعون المحاصيل ويستطيعون بثمنها شراء الأسلحة الأوتوماتيكية وتوكيل المحامين للدفاع عن أبنائهم بعد ارتكاب الجريمة.

غياب قوة الدولة وادعاء رجال الأمن المشرفين على مناطق انتشار الثأر بأنهم سيقضون على هذه الظاهرة، أهم أسباب انتشارها

ويقول الخبراء إن مسألة الثأر في تلك المناطق مشكلة معقدة جدا، إذ يعتبر البعض ممن تخلوا عن رد جرائم القتل بالثأر منبوذين وغير مقبولين في النسيج الاجتماعي لتلك القبائل “لأنه عليهم ثأر ولم يأخذوه”، وقد أدى بالعديد من العائلات إلى ترك مناطقهم وتغيير مقرات سكنهم ليس سوى لأنهم مطالبون بثأر لا يريدون تنفيذه. فالأمر يعود إلى أسباب عديدة في بقاء وتوارث هذه العادة القاتلة، فالحلول الاقتصادية والتنموية ضعيفة في تلك المناطق، ما يجعلها في عزلة دائمة عن المقرات الحضرية والمدنية الكبرى التي لا توجد فيها هذه الظاهرة، كما يعتبر الانقطاع المبكر عن الدراسة وانتشار الأمية من الأسباب العميقة لظاهرة الثأر في الصعيد المصري.

وفي الأيام الأخيرة، عاد موضوع معالجة الثأر والقضاء عليه كظاهرة متوحشة في المجتمع مع تصريحات مدير الأمن في محافظة سوهاج أحمد أبوالفتوح (أعلى جهة أمنية في المحافظة) الذي أكد على أنه قادر على إنهاء هذه الظاهرة في سنة 2016.

وأكد أبوالفتوح أن سوهاج محافظة تفتقر إلى جهود علماء الدين وأصحاب الرأي لفض النزاعات والخصومات الثأرية، وهناك بعض الخصومات التي يرغب الطرفان المتنازعان في إنهائها ولن يجدا من يقوم بذلك، مُشيرا إلى أن ملف الخصومات الثأرية وإنهائها بالمصالحات يأتي على قمة أولوياته.

وفي المقابل، لا تزال هذه الظاهرة منتشرة رغم عزم القادة الأمنيين والسياسيين القضاء عليها، نظرا لغياب القانون وقوة الدولة وادعاء رجال الأمن المشرفين على مناطق انتشار الثأر بأنهم سيقضون على هذه الظاهرة.

وتعتبر هذه العوامل أهم أسباب انتشار ثقافة الثأر الجاهلية، فالمحاكم الوضعية في مصر لا تأخذ بمبدأ قتل من قتل، ولكنها تحكم بالأشغال المؤبدة بعد وقت منهك وطويل ونادرا ما تحكم بالإعدام لعدم توافر الأدلة، وهو ما يجعل منها أداة لا قيمة لها في تحقيق معنى العدالة (أو القصاص) وهذا ما زاد من توتر الوضع وزيادة معدل هذه الجريمة.

القادة الأمنيون ودعاة الصلح: مجموعة من رجال الدولة وشيوخ من الأزهر يعملون على مكافحة ظاهرة الثأر في المجتمع المصري، وهم من دعاة الاحتكام للقانون والعمل على احترام القضاء.

ظاهرة الثأر تشهد تراجعا حادا في عيون أجهزة الأمن

قال أحمد أبوالفتوح مدير الأمن بمحافظة سوهاج بصعيد مصر، في جلسة جمعته بالشيخ محمد زكي الأمين العام للدعوة والمصالحات بالأزهر إنه مصمم أن تكون سوهاج في 2016 أول منطقة في مصر خالية من الثأر والدم، معربا عن ثقته في مساعدة أهالي سوهاج وقدرتهم على تحمل المسؤولية، ورغبتهم في الخلاص مما أصابهم من الترويع والأخطار.

ووجه مدير الأمن أبوالفتوح نقدا شديدا لعلماء الدين ونواب البرلمان والعمد والمشايخ وأصحاب الرأي والمثقفين في كافة القرى والأرياف في المنطقة لغياب دورهم في فض النزاعات وإنهاء الخصومات التي تؤدي إلى ارتكاب جرائم القتل التي تسمى عند الأهالي “الثأر”. وأضاف أحمد أبوالفتوح أنه قرر أثناء الجلسة مراجعة وتقييم أداء ومهام العمد والمشايخ، ليصبح المعيار الأول في استمرارهم بمواقعهم مدى فاعليتهم في نشر ثقافة الصلح بين المواطنين والقدرة على إنهاء الخصومات الثأرية.

وأضاف مدير الأمن، أن سوهاج محافظة تفتقر إلى جهود علماء الدين وأصحاب الرأي لفض النزاعات والخصومات الثأرية، وهناك بعض الخصومات التي يرغب الطرفان المتنازعان في إنهائها ولن يجدا من يقوم بذلك، مُشيراً إلى أن ملف الخصومات الثأرية وإنهائها بالمصالحات يأتي على قمة أولوياته التي دفع إليها العميد خالد الشاذلي مدير المباحث الجنائية للاهتمام بها والوقوف على حقيقتها وسبل التعامل معها.

وكشفت تصريحات عدد من الحضور في مجلس المحافظة عن تجاوب ممثل الأزهر محمد زكي الذي فاجأ الجلسة بأنه سيقبل التصالح في دم أخيه الذي قتل في بندر طهطا، تشجيعا للفكرة التي طرحها مدير الأمن، ووعد زكي بتكثيف جهود المصالحات واختيار طهطا لأن تكون أول مدينة في سوهاج خاصة ومصر عامة خالية من الدم والثأر، باعتبارها أقل مناطق المحافظة في الخصومات الثأرية التي لا تتجاوز خصومتين فقط.

وأكد الشيخ محمد زكي، الأمين العام للجنة المصالحات بالأزهر الشريف، أن 90 بالمئة من حوادث الثأر بالصعيد لا تستوجب القصاص لعدم توافر القصدية والعمدية فيها، مشيرا إلى أن القتل إما خطأ أو شبه خطأ لا تتوفر فيه الشروط الشرعية أو اليقينية، أما القتل العمد الذي يستوجب القصاص فإن تقديره لولي الأمر من الحكام والمؤسسات القضائية والشرطية وإلاّ دخلت البلاد في حالة من الفوضى وشريعة الغابة.

وأضاف مدير الأمن، أنه لا يصح مطلقا قبول هذا النوع من المشاجرات “ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين والصعيد مليء بالقامات في الدين والأدب والشعر والفكر”، مؤكدا أن احترام القانون والتسليم بعدالته وقبول تطبيقه هو المخرج الرئيسي في الخصومات الثأرية.

وتظهر هذه التصريحات والتحركات الميدانية للمسؤولين الإداريين والأمنيين والدينيين مساعي الإطار التسييري المصري للقضاء على ظاهرة الثأر التي لا تزال موجودة إلى أيامنا هذه خاصة في الصعيد المصري، وتؤكد تقارير عن مركز البحوث الجنائية المصري أن الثأر جريمة زادت بقوة وأكثر شراسة بعد أحداث يناير 2011 التي أسقطت مبارك من الحكم، وتعود هذه الزيادة في جرائم القتل باسم الثأر إلى ضعف القدرات الأمنية والانتشار في مناطق مصرية يعد الثأر جزءا من ثقافتها.

وأكد أحمد أبوالفتوح أن السلطات الأمنية في المنطقة تعمل في هذه الفترة على رسم استراتيجية واضحة لجعل جرائم الثأر غير موجودة في المحافظة، وذلك كي تكون المحافظة “الساخنة” نموذجا لباقي المناطق المصرية، كما أكد أبوالفتوح أن “قوة الدولة وهيبتها هما الأساسان القويمان لإنهاء هذه البشاعة”، حسب تصريحه، مؤكدا أن الثأر فكرة ثقافية وجب محاربتها بثقافة مضادة هي ثقافة الدولة والقانون والمؤسسات والمحاسبة.

وأكد أبوالفتوح أن التربية والتعليم والدفع بالمجتمعات المحلية إلى الانخراط في منظومة اقتصادية أكثر متانة وحداثة هي الأبواب الرئيسية للخروج من دائرة المعتقدات المتوحشة والمتخلفة إلى مساحة المدنية والتحضر بشكل أكثر فعالية.

ظاهرة الثأر: الثأر هو أن يقوم أقارب القتيل بقتل القاتل نفسه أو قتل أحد أقاربه انتقاما لأنفسهم دون أن يتركوا للدولة حق إرجاع الحق، وهذه الظاهرة منتشرة في مجتمعات عربية عديدة.

المجتمع يصر على أن جرائم الثأر في ارتفاع نتيجة غياب الدولة

في الوجه المقابل لتصريحات المسؤولين الأمنيين والدينيين في محافظة سوهاج والتي تعكس العمل على القضاء على ظاهرة الثأر، فإن الأبحاث والأرقام الصادرة عن مراكز البحوث تقول إن الظاهرة لا تزال في ارتفاع بل وتتزايد نتيجة ضعف الدولة وتكرس الثأر في الثقافة المحلية.

فقد أشارت جملة من البحوث السوسيولوجية في صعيد مصر إلى أن غياب القانون وقوة الدولة وادعاء رجال الأمن المشرفين على مناطق انتشار الثأر بأنهم سيقضون على هذه الظاهرة، هي أهم أسباب انتشار ثقافة الثأر الجاهلية، فالمحاكم الوضعية في مصر لا تأخذ بمبدأ قتل من قتل، ولكنها تحكم بالأشغال المؤبدة بعد وقت منهك وطويل، وهو ما يجعل منها أداة لا قيمة لها في تحقيق معنى العدالة (أو القصاص)، حيث يخرج القاتل بعد ذلك ويتجول بحرية أمام عائلة القتيل الذين يتعرضون للمعايرة، ومن ثم فإنهم يلجأون لإزالة ما يعتبرونه عارا بقتل القاتل، لذا يطالب هؤلاء بعمل محاكم خاصة لقضايا الثأر تعتمد على سرعة البت في قضاياه وإنفاذ القانون وإعادة الحقوق.

وكشف حسن سعد الله الباحث بمركز البحوث الجنائية والاجتماعية بالقاهرة عن ترتيب مراكز سوهاج الأكثر خصومة خلال عام 2015 لتحتل دار السلام الصدارة بــ30 خصومة ثأرية تليها طما بـ13 وأخميم 11 ثم مركز طهطا والمنشآة وجهينة كل منها 9 والبلينا وسوهاج كل منها 7 وساقلته 6 وجرجا والعسيرات والمراغة كل منها 4 وبندر طهطا 2، وقد أشار أبوالفتوح إلى أن جهود المصالحات حسمت 33 صلحا أي بنسبة 29 بالمئة من إجمالي 115 خصومة ثأرية بسوهاج.

وأشار الباحثون في علم الاجتماع والسياسة إلى تراجع دور الدولة في الصعيد، وهو ما جعل الفرد في الصعيد يتمسك بقوة بالانصهار في عائلته والتي تمثل الملاذ الاجتماعي الذي يحميه، ويتنازل هذا الشخص بمحض اختياره عن حريته لصالح قرارات العائلة الكبيرة في الصعيد والتي تحدد وجهة ومصير أفرادها، بصرف النظر عن اختياراتهم الشخصية، فالعائلة في الصعيد هي الوحدة الاجتماعية الفاعلة التي لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها، ومصير أفرادها يتقرر في إطار مصالحها وعلاقاتها مع العائلات الأخرى، ورغم أهمية العائلة الكبيرة كجزء من الثقافة العربية وكتعبير عن المجتمع العربي لكنها حين تصبح أداة سلبية في إدارة عملية الثأر وتأجيج الحرب في ما يشبه العلاقات البدوية التي كانت سائدة قبل الإسلام “فإن الأمر هنا يحتاج إلى تدخل الدولة لتطوير العائلة كوحدة اجتماعية لتكون أداة إيجابية وليست سلبية”، حسب قول الباحث حسن سعدالله.

سوهاج في سنة 2016 أول محافظة في مصر خالية من الثأر والدم وسيخضع الأهالي للقانون حسب تعبير محافظ الأمن أحمد أبوالفتوح

وأشارت تقارير إلى ما أطلقوا عليه ظاهرة “الانتحار الذاتي” لدى من يقومون بظاهرة الثأر ، خاصة في حادثة قرية بيت علام بسوهاج التي قتل فيها 23 شخصا في جريمة ثأر، حيث يشعر الذين قاموا بتنفيذ المذبحة الأخيرة والتي تخرج عن كل معايير الثأر بغياب أي بارقة أمل للمستقبل وأن الحياة تفقد معناها ومن ثم يأتي فعلهم كنوع من تدمير أنفسهم ومن قتلوهم.

وفي هذا السياق يقول الباحث محمد منصور مدير مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط إن “الثأر مع أشياء أخرى هو إحدى آليات الانتحار الذاتي في محافظات الصعيد التي تمتد على طول ألف كم من الفيوم والجيزة شمالا وحتى أسوان جنوبا، وهي تاريخيا وجغرافيا مناطق استقرار القبائل العربية المهاجرة إلى مصر، والثأر جريمة تنافس بعدد ضحاياها ضحايا حوادث السيارات على طرق الصعيد الضيقة والوعرة.

تعتبر ظاهرة الثأر من أخطر الظواهر الاجتماعية التي عانت منها المجتمعات البشرية، وتعتبر من أخطر ما يهدد سلامة وأمن وسكينة المجتمعات، كما تعتبر العدو الأول للتنمية والتطوير، وهذه الظاهرة من أعقد وأصعب الظواهر التي تؤثر في حياة المجتمع المصري.

فقد تحولت بفعل السنين إلى ثقافة راسخة في عقول المجتمعات التي تسكن منطقة الصعيد المصري بشكل عام، وتحولت بذلك إلى هاجس يسكن السلطة السياسية التي لم تتمكن منذ بناء الدولة المصرية الحديثة من اقتلاع جذور هذه العادات وتذويب الخلافات بين العائلات.

12