القضاء على داعش وضحاياه أيضا

الخميس 2017/03/30

يبدو أن شعبي سوريا والعراق أمام خيارين أحلاهما مر، فإما الاستسلام والبقاء تحت رحمة السيف الداعشي، الذي لا يتورع عن قطع الرقاب كلما أتيحت له الفرصة، وإما القبول بالخيار الثـاني وهو تحمل هذا السيل الجارف من المجازر التي ترتكبها القوات المحاربة للتنظيم المتطرف لمنع بقائه وتمدده.

الأسبوع الماضي كان حافلا بالمجازر انطلاقا من الموصل العراقية وصولا إلى الرقة السورية وما حولها. وفيما تواصل قوافل النازحين بحثها عن ملاذ آمن، تستمر العمليات العسكرية العنيفة غير مبالية بما تخلفه على الأرض من ضحايا.

تقارير تحدثت عن رغبة أميركية في عدم التوقف، أيا كان الثمن، فالأرواح التي أزهقت والتي اختلف القضاة في تحديد هوية الجناة، ما بين قصف لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، وما بين تورط مباشر للحكومة العراقية، وهي أشبه بخادم سيدين إذ تريد إرضاء جارتها إيران المتحكمة في الشؤون الداخلية العراقية، وإرضاء إدارة أميركية تريد تقليم أظافر إيران والحد من عنجهيتها واستطرادا تأديبها إن لزم الأمر.

على الطرف الآخر في الرقة السورية، فإن دماء الضحايا تتبدد دون أن يكترث أحد حتى بالإشارة إليهم، إذ يكفي نفي شفوي يصدر عن الجهة المتهمة، لتقول لجمهورها إنها بريئة من هذه التهمة، لينتقل الحديث فورا إلى التفاخر بالتقدم الحاصل على الأرض والهزائم التي يتعرض لها التنظيم المتطرف، والتي تبشر من تبقى من بشر في تلك البقاع بأن نهايته أزفت، وأن زمن التخلص من سطوته بات قريبا.

هكذا تسوّق الإدارة الأميركية الأمر، وهي لا توفر جهدا لتحقيق نصر يحتاجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يمرّ بحالة تخبط سياسي، وتبدو خياراته غير مفهومة ولا مقبولة، لا بالنسبة لمعارضيه الديمقراطيين فقط، بل حتى لأنصاره الجمهوريين أيضا، ولا شـك أن تحقيق انتصـار على تنظيم داعش سيمكن ترامب من ملء كرسيه الرئاسي.

وإن كانت المعركة الفيصل ستدور رحاها في مدينة الرقة السورية، وهي عاصمة التنظيم في شقه الشامي، وستمتد بالضرورة إلى جارتها محافظة دير الزور، فإنه من المتوقع أن تلك المعركة ستنطلق في غضون أيام، كما أعلن ذلـك وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان خـلال الأسبوع الماضي، مع أن المعركة بدأت فعليا، وعلى الأرض تتقدم قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركيا، وتحقق انتصارات على حساب التنظيم وإن كانت طفيفة.

إلا أن ربط هذه الانتصارات بالتقهقر الذي بدأ التنظيم يعـانيه في الموصل يجعلنا نتوقع أياما وشهورا عصيبة لا على تنظيم داعش، بل على من تبقى من مدنيين كان التنظيم يحاصرهم في تلك المدينتين، ويمنعهم من مغادرتهما، وقد أعدم التنظيم خلال الشهرين الماضيين قرابة عشرة أشخاص بتهمة المساعدة على تهريب الناس من ولاية الخير وهو الاسم الذي يعتمده لمحافظة دير الزور، والعدد نفسه في ولاية الرقة، ولا شك أن المعارك ستمتد إلى ولاية البركة “محافظة الحسكة” وسواها من المناطق التي يتواجد فيها التنظيم، وفي كل مرة علينا أن نتوقع المزيد من المجازر التي سترتكبها سواء القوات المحاربة بإدارة أميركية، أو غيرها من القوات التي تسوّق نفسها ذراعا في الحرب على الإرهاب.

وإذا كانت الأمم المتحدة والحكومة العراقية وبعض المنظمات الإنسانية قد استعدت باكرا، ولو نظريا، لمعركة الموصل، فقامت بتجهيز مخيمات عشوائية يستطيع الفـارون من معارك المـوصل اللجوء إليها، فإن الحـالة في سـوريا تبدو مختلفة، فـلا يكاد أحد يسأل عمـا سيحل بأولئك الفارين؟ وأيـن سيتجهون؟

بل إن كـارثة بحجم احتمـال انهيار سد الفرات أو جزء منه وإغراقه مدنا ومناطق بأكملها لم تستلزم استنفارا أمميا ولا محليا لبحث مصير المدنيين، واكتفى الجميع باعتبار الأمر لا يتعدى كونه إشاعة تهدف إلى التأثير على معنويات الناس، أو على سير معارك طرد التنظيم. نظام دمشق لا يعتبر نفسه معنيا أصلا بما يحدث على الأرض، بل إنه سيكتفي بالمتابعة حتى تتاح له الفرصة فيدلي بدلوه هو الآخر، محاولا تعويم نفسه طرفا رئيسا في معركة لدحر إرهاب كان هو أحد أسباب نشوئه.

هذه التفاصيل تبدو لدى صناع القرار المنشغلين بدحر الإرهاب والقضاء عليه، ثانوية ولا ينبغي التوقف عندها. وحين يموت المدنيون بالعشرات وبالمئات وربما بالآلاف، قد يصدر بيان يبدي فيه صناع القرار أسفهم ويواصلون معركتهم.

كاتب سوري

9