القضاء والتوافق الواهي بين نداء تونس والنهضة

الجمعة 2016/11/18

انبنى الواقع التونسي على خيط واه من التوافق بين حزبي نداء تونس وحركة النهضة. ونعتبره واهيا باعتبار حالة العداء الكبير التي ولدت بينهما منذ نشأة نداء تونس في يونيو 2012. والعداء لم يكن طبعا بسبب مطالب الثورة وشعاراتها ولكنه كان بسبب السلطة التي اعتقدت حركة النهضة أنها ستسيطر عليها لعقود في غياب منافسة حقيقية لها، بينما نشأ نداء تونس لاسترداد السلطة من النهضة وقد نجح في ذلك إذ رؤوس السلطة التنفيذية والتشريعية اليوم بين أيدي نداء تونس.

ولكن تبقى المشكلة في السلطة القضائية التي لعبت فيها حركة النهضة بإحكام وتأنّ. فالكثير من المحللين يعتبرون أن السنتين اللتين قضاهما القيادي في حركة النهضة نورالدين البحيري على رأس وزارة العدل كانتا كافيتين لضمان مصالح النهضة داخل السلطة القضائية عبر التعيينات والتحرك في المحاكم لتصفية ملفات رأي عام كبيرة، مثل ملف شهداء مرحلة الانتقال الديمقراطي، وملف رجال الأعمال وملف المقربين من النظام السابق وأعوانه.

وفي الوقت نفسه أدت كتلة حركة النهضة في المجلس الوطني التأسيسي دورها في سنّ التشريعات اللازمة للهيئات الدستورية القضائية الثلاث، وهي المجلس الأعلى للقضاء وهيئة الحقيقة والكرامة والهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب. ثم تولت كتلتها في مجلس نواب الشعب التأثير في انتخاب هذه الهيئات باعتبار ثقل كتلتها النيابية حتى تكون أميل إليها لخدمة مصالحها.

من باب القضاء يأتي مبرر وصفنا للتوافق بين حركتي نداء تونس والنهضة بأنه واه. فلئن لم يحفل نداء تونس والباجي قائد السبسي رئيسه المؤسس كثيرا بكشف الحقيقة في اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي إلا بالقدر الذي كان كافيا لكسب الحملة الانتخابية، فإنه كان معنيا بقضية الشهيد لطفي نقض الذي قتل سحلا وضربا ورفسا بالقدمين من قبل جماعات من رابطات حماية الثورة المدعومة من حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية حزب الرئيس السابق منصف المرزوقي.

فالشهيد لطفي نقض كان رئيس مكتب حزب نداء تونس بمحافظة تطاوين ورئيس الاتحاد الجهوي للفلاحين بالجهة، أي أنه كان يمارس العمل السياسي والعمل الجمعياتي المدني، ولم يكن يمارس العنف ولا يدعو إليه. وأثناء مهاجمته كان في مقرّ منظمة الاتحاد الجهوي للفلاحين ومركزيته هي التي وقعت على اتفاق قرطاج. وكان الشهيد وحيدا أعزل حين اعتدي عليه ودفع من أعلى السلم وسحل في الشارع وتهاوت عليه أيدي القتلة من أفراد الرابطة المشحونة الهائجة.

السؤال هو في اختيار توقيت التصريح بالحكم في قضية سحل الشهيد لطفي نقض في هذه المرحلة التي تمر بها تونس بأزمة حكم حادة، لا سيما بين الحكومة وشريكها الاتحاد العام التونسي للشغل

كان مشهد قتل لطفي نقض مخيفا إذ كشف عن طبيعة سادية متوحشة في جانب من التونسيين توجبت تدخلا من القضاء لإبعادهم عن المجتمع والقصاص منهم. وأثبت البحث الذي أجرته السلطات الأمنية والنيابة العمومية حدوث عملية القتل العمد بعد ثبوت عملية المداهمة لمقر الاتحاد الجهوي للفلاحين والاعتداء على نقض أثناء أدائه لعمله.

كما أثبت تقرير الطب الشرعي أن موت نقض كان ناتجا عن الاعتداء عليه بالعنف الشديد. ولكن بُعيْد ذلك بفترة وجيزة بدأ التلاعب بملف القضية، إذ بدأت تتصاعد أخبار تفيد بوجود تقرير طبي آخر يقضي بأن وفاة نقض كانت ناتجة عن سكتة قلبية، بينما الفيديوهات التي توثق لعملية الاعتداء على نقض كانت ومازالت موجودة وواضحة وصريحة في إدانة المتهمين.

المشكلة الآن أن الحكم الصادر عن القضاء كان صادما يقضي بعدم سماع الدعوى وبإطلاق سراح الموقوفين. طبعا الجميع يدافعون عن استقلالية القضاء ولكنهم بدأوا يشككون في هذه الاستقلالية بعد ما ذكرنا من تحرك حركة النهضة صلب المجال القضائي، فقد تحدث أكثر من وزير للعدل جاء بعد البحيري عن عجزه عن العمل بسبب ما يسمونه عملية التلغيم المحكمة التي تركها في وزارة العدل، وعملية التنظيف التي أجريت خلف القضايا والملفات الكبرى التي تحمل إدانة لحركة النهضة أو للرابطات والجمعيات العنفية القريبة منها.

التوافق الواهي بين نداء تونس والنهضة بدأت تظهر معالمه في أول اختبار حقيقي تمثل في الحكم الصادر في قضية الشهيد لطفي نقض. فنداء تونس كمن وصل متأخرا شعر بالخطأ الذي ارتكبه حين ترك القضاء ساحة للنهضة دون منافس، وقَبل أن لا يتولى حقيبة العدل بعد البحيري إلا وزراء مستقلون يضعفهم غياب الدعم الحزبي خلافا لبقية الحقائب السيادية الأخرى. فلم يجد إلا مطالبة حركة النهضة بموقف صريح من علاقتها برابطات حماية الثورة التي بالغت في مظاهر الاحتفال أمام المحكمة وأقامت الولائم والذبائح.

حركة النهضة اعترفت على لسان عضو مجلس الشورى والقيادي البارز صلبها عبدالحميد الجلاصي بأنها كانت تؤم عائلات المتهمين، وبأنها كانت على اتصال مباشر بهذه العائلات وبأنها طالبتها بعدم المبالغة في الاحتفال. كما اعتبرت أن الحكم عادل ورحبت به كما رحب به المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت السابق، وعماد الدائمي الأمين العام لحزب المؤتمر والرئيس السابق للديوان الرئاسي، وهم الأطراف التي كانت تتبنى رابطات حماية الثورة العنفية وتدعمها وتدافع عنها.

الكرة الآن في ملعب السبسي والغنوشي مهندسيْ التوافق، فحركة نداء تونس تحشد نواب كتلتها البرلمانية ومؤسسات حزبها لاتخاذ موقف ستحمله إلى رئيس الجمهورية والرئيس الشرفي للنداء. والنهضة تبدو مرتاحة وغير مهتمة بمناوشات النداء عدو الأمس حليف اليوم باعتبار استقرار كتلتها النيابية وتماسك مؤسساتها الحزبية. وستستفيد حتما من دعم هذه الرابطات العنفية التي توهم التونسيون أنها انتهت بعد الحكم القضائي بحلها. هذه الرابطات ستعتبر أن الحكم الصادر عن المحكمة فيه جانب من المنة من حركة النهضة ولن تنسى لها هذا الجميل.

هناك مراحل تقاض أخرى مازالت قائمة طبعا في الاستئناف والتعقيب. ولكن السؤال هو في اختيار توقيت التصريح بالحكم في قضية سحل الشهيد لطفي نقض في هذه المرحلة التي تمر بها تونس بأزمة حكم حادة، لا سيما بين الحكومة وشريكها الاتحاد العام التونسي للشغل بسبب مقترح الحكومة تأجيل الزيادة في أجور الوظيفة العمومية ونقض الاتفاقات السابقة مع حكومة الحبيب الصيد.

الغريب أن حركة النهضة تقترح طلب وساطة من صندوق النقد الدولي بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل في هذه الأزمة. وهو مطلب اعتبره اتحاد الشغل والجبهة الشعبية على لسان نائبها في البرلمان ورئيس لجنة المالية منجي الرحوي خطيرا يمس بالسيادة الوطنية ويشرع للتدخل الأجنبي في الشأن الوطني الداخلي.

يبدو ألا شيء بريء ومجاني في تونس. ويبدو أن الأوراق كلها متاحة لتوجيه المشهد التونسي ولشغل الرأي العام ولتمرير المشاريع والإملاءات الخطيرة ولقتل الحلم الثوري نهائيا تمهيدا لما هو أخطر.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9