"القضاء والقدر" سرد سينمائي يقلب الأزمنة ويعيد تشكيلها

الاثنين 2015/02/09
الفيلم يلاحق الأشرار عبر الزمن ويستبق الأحداث الكبرى قبل وقوعها

تبرز في فيلم “القضاء والقدر” للمخرجين الأخوين بيتر ومايكل سبيرغ، المعروض في الصالات الآن، إشكالية الزمن المركب بقوة، وإمكانية الرحيل فيه، والتنقل بين محطاته، ولكن بشرط أن يكون الإنسان حرا.

الأشخاص الذين يعرضهم فيلم “القضاء والقدر” بلا ماض، وخاصة بلا حياة أسرية، أي أنهم ليسوا مشدودين إلى عوامل أو أسباب تربطهم بزمنهم الأرضي، بل هم كائنات هائمة تتنقل في ذلك الفضاء الفسيح لغرض ملاحقة الشر.

“فيزل” كائن شرير سيجد نفسه في مواجهة من خلال الانتقال بالزمن عن طريق آلة مخبّأة في علبة آلة الكمان إلى العام 1992، لكي يكون في مواجهة مع أحد العملاء الأحد عشر، الذين تمّ تجنيدهم للتنقل عبر الزمن قصد القضاء على الشر.

غاية هؤلاء الحيلولة دون قيام التفجيري الشرير “فيزل” بواحدة من أعماله الإرهابية، ولكن العميل خلال عملية إبطال مفعول القنبلة يتعرض إلى لهب شديد يحرق له وجهه، مما يتطلب خضوعه إلى العديد من عمليات التجميل، فينتج عن ذلك أن يكون له وجه جديد، وما عليه إلاّ الاعتياد عليه لبدء عمليات ملاحقة جديدة.

إنها مؤسسة تجند أناسا بالغي الذكاء وبلا تاريخ، لكي تبحر بهم عبر الزمن من خلال تلك الآلة، لكي يقوموا بمهام من شأنها إيقاف الأشرار عن تنفيذ أعمالهم الإرهابية، وسيكون فيزل المفجر هو أحد التحديات التي تواجههم، لكونه من الشخصيات الأكثر خطورة، فهو الذي قتل قرابة أحد عشر ألف شخص في عملية واحدة بنيويورك كما في قصة الفيلم.

بعد أن تبرأ جراح العميل (الممثل إيثان هاوك) يتمّ إرساله في آخر المهمات عبر الزمن، قبل إحالته على التقاعد. لكن قبل ذلك هنالك قصة أخرى تتعلق برضيعة -لقيطة- يجلبها أحدهم ويضعها أمام باب ملجإ الأيتام وتنشأ هناك، لنعرف أنها ليست إلاّ الفتاة جاين (الممثلة الأسترالية سارا سنوك)، حيث نتابع مراحل حياتها وكيف نشأت.

فتاة ذكية ومميزة وفي نفس الوقت لديها من القوة ما يجعلها تتفوق جسديا حتى على أقرانها من الأولاد والشباب، وهو ما يلفت إليها الأنظار، ولهذا تقرر الالتحاق بمؤسسة تعنى بإعداد رواد الفضاء، وبعد اجتيازها للعديد من الاختبارات، تبدر منها أعمال عنف تحول بينها وبين الاستمرار في المهمة.

الشخصيات في الفيلم تتلبس ببعضها البعض من منطلق مقولة مفادها أن الثعبان يأكل ذيله

ولا تنتهي القصة عند هذا الحد، بل سيلاحقها المسؤول عن تجنيد أولئك الأشخاص للرحيل عبر الزمن، للقيام بمهمات خاصة، من أجل تكليفها بواحدة من تلك المهام.

تستمرّ جاين في حياتها الطبيعية وتكمل دراستها الجامعية، وخلال ذلك تلتقي صدفة في أروقـــة الجامعة بشخص تفاجأ أنه يفكر بنفس الطريقة التي تفــكر بها، ويستطيع سبر أغوار شخصيتها ويعرف فيم تفكر؟ وينتج عن هذه العلاقة السريعة ارتباطا عاطفيا شديدا من قبل جاين خاصة، وتنجب منه طفلة.

تفيق جاين في المستشفى لتكتشف حقيقة مروّعة يصدمها بها الطبيب، إنها ليست إلاّ رجلا وامرأة في آن، وأن فيها صفات ذكورية وأنثوية، وقد تمّ اكتشاف ذلك أثناء العملية الجراحية، وينصحها الطبيب بأن تتحوّل إلى رجل ويبدأ إعدادها لذلك، لكن ما يصدمها مرة أخرى هو قيام أحد الأشخاص المجهولين بسرقة طفلتها الرضيعة من إحدى غرف المستشفى.

تتحوّل جاين فعلا إلى رجل، ترتدي ملابس الرجال ويخشن صوتها، ثم تلتقي صدفة شخصا يعمل في إحدى الحانات، وهو العميل المكلف بعبور الزمن، فتروي له قصتها الطويلة على جلسات، وقصة الشخص الذي تسبـــب في تدمير حياتها ورغبتها في تدميره.

فيخبرها أنه قادر على إيصالها إليه، ويأخذها فعلا عبر الزمن لنكتشف أن جاين الفتاة الجميلة، ما هي إلاّ ذلك الرجل المتحوّل الذي تريد هي الانتقام منه لأنه دمّر حياتها، وتلتقي الشخصيتان.

وأما فيزل فهو ليس إلاّ العميل نفسه، ولكن في صورة أخرى ويجري الانتقال في أزمنة هذه الشخصيات الأربع طويلا وعميقا في دورات متعاقبة، تمتدّ من العشرينات وتنتهي في العام 1992، حيث يتمّ قتل فيزل، الذي يعلن مرارا أنه ليس مجرما، بل لديه من الأدلة ما يثبت أنه أنقذ حياة آلاف البشر.

برع المخرجان، وهما كاتبا السيناريو نفساهما، في نقلنا إلى دوامة هائلة من الأزمنة المتداخلة، والسرد الفيلمي الكثيف والأداء الممتع والمقنع، كل ذلك يقع بعد منتصف الزمن الفيلمي.

تتكاثف الانتقالات أو القفزات الزمنية، التي تسبب إرباكا في بعض الأحيان إن ما لم يجر التركيز جيدا على الوقائع والمجريات.

وحيث الشخصيات تتلبس ببعضها البعض من منطلق مقولة تتكرر في الفيلم، وهي أن الثعبان يأكل ذيله، ولكي تستطيع أن تغيّر المستقبل يجب أن تكون بلا ماض.

16