"القضقاضي" والشعب المغدور

السبت 2014/02/08

عملية قتل كمال القضقاضي التي أعلنتها الداخلية التونسية الثلاثاء الماضي، صوّرت على أنها “أفضل هدية يمكن أن نقدمها إلى التونسيين بعد عام من اغتيال شكري بلعيد” على حدّ كلام وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدّو في لقاء صحفي. وفي اللقاء ذاته أكد وزير الداخلية التونسي أن “القضقاضي هو من اغتال الشهيد شكري بلعيد”. إلى هنا يبدو الأمر “مريحا” من الناحيتين الأمنية والسياسية. لكن الخبر والحدث والحيثيات أمور أثارت جملة من الأسئلة والتفاعلات، أدت جميعها إلى أن قتل القضقاضي لم يوفّر إجابة على السؤال المطروح بقوة منذ 6 فبراير 2013 عن قاتل بلعيد ومن يقف وراءه.

العودة إلى الحدث الأصليّ -اغتيال شكري بلعيد- تفيد أن تركيز الطبقة السياسية والحقوقية على ضرورة كشف الجاني ومن وراءه ومن دفعه وحرضه وسهل له الاغتيال، لا تنطلق فقط من شخص الضحية، بل تنفتح ضرورة على مسألة أن كشف الحقيقة سيفيد في تفادي تكرّر الفعل، ولعل اغتيال محمد البراهمي يوم 25 يوليو 2013 حدث لأن اللغز الأول لم تفكّ طلاسمه.

الثابت أن قتل كمال القضقاضي كان يعني اختفاء كل ما يملكه من حقائق ومعلومات عن حدث فبراير 2013 وغيره (نذكّر هنا بتوارد معلومات عديدة بتواجده أيضا في أحداث جبل الشعانبي)، وعملية قتل القضقاضي وصحبه طرحت سؤالا مفاده؛ هل كان قتله الحل الوحيد المتاح أمام القوات الأمنية التي طوقت موقع الحدث؟ ألم يكن ممكنا إصابته أو إيقافه حيا؟ هل عجزت القوات الأمنية عن ذلك ولم يتبق لها إلا حل القتل؟ ثم هل كانت صدفة أن يجتمع كلّ المتهمين باغتيال شكري بلعيد معا في مكان الحدث في ضاحية روّاد؟

هذه الأسئلة وغيرها شرّعت الأبواب أمام أسئلة أخرى وأمام إحالات سياسية وأمنية وحتى تاريخية. وإذ نستبعد القراءات المغالية في استحضار “نظرية المؤامرة”، فإن الأمر يستحق- فعلا- بعض التعمق والتفكّر. ما يعزز ضرورة بحث الحدث الأخير، هو توقيته حيث تزامن مع مرور حوالي أسبوع من مباشرة الحكومة الجديدة (حكومة جمعة) لعملها. هذا التزامن أثار أسئلة أخرى متعلقة بإمكانية توجيه ضربة للإرهاب مع الحكومة الجديدة، وهل أن ذلك يعكس إرادة سياسية للحكومة الجديدة ربما كانت غائبة لدى أسلافها، لكنّ في الأمر سعيا من الحكومة الجديدة لاستثمار الحدث داخليا بتقديم “هدية” قد تخفف من اعتمال الذكرى الأولى لاغتيال بلعيد، ورسالة خارجية مفادها أن الحكام الجدد قطعوا مع “الدولة المتسامحة” مع الإرهاب وهو ما سيفيد في تحسين المؤشرات الاقتصادية وإقناع الجهات المانحة بفتح خزائنها أمام الحاجات التونسية.

في قتل كمال القضقاضي-مستودع أسرار الجماعات الإرهابية باعتبار شيوع أخبار عن حضوره في كل المواجهات السابقة- اخفاء أو كتم للحقيقة الكاملة، وفيه أيضا استدعاء للتاريخ. تاريخ عمليات تم التخلص فيها من شخصيات بعد نفاد مفعولها السياسي.

في البال هنا قتل أسامة بن لادن في 2 مايو 2011، الذي تم في ظرفية موسومة بتفجر الثورات العربية في أكثر من مكان، وأشّر أيضا على نفاد صلاحية بن لادن (أميركيا) بعد أن بنت عليه وعلى ارتباطه بالإرهاب مفصلا كبيرا من سياستها الخارجية والعسكرية منذ لحظة 11 سبتمبر 2001 حتى لحظة مقتله. قتل بن لادن لأنه لم يعد حاجة أميركية، وليس لمجرد أنه إرهابي أو صاحب سجل طويل من العمليات التي استهدفت المصالح الأميركية. قتل بن لادن لأنه انتهى كتعلّة وشماعة سياسية، وبعد أن مكن الولايات المتحدة من احتلال العراق ومن إقامة قواعد عسكرية في مناطق عديدة من العالم. ولكن الثابت أن أسرارا كثيرة ومتشابكة ماتت ودفنت مع أسامة بن لادن، لم تعد أميركا في حاجة إليها، أو ربما كانت تريد إخفاءها. قتل بن لادن يدخل في نفس سجل قتل معمر القذافي في 20 أكتوبر 2011، وكان الشعب الليبي خاصة والشعب العربي عموما، يفضل محاكمته وتقديم درس لكيفيات إنهاء الاستبداد وبدء مسار انتقالي هادئ، لكنه قتلَ وطمرت معه كل المعلومات المهمة محليا وإقليميا ودوليا. ولم يقتل بدوره لمجرد أنه كان حاكما مستبدا وجائرا.

ما سبق ذكره ليس من قبيل عقد المقارنات، لكنه استحضار لتاريخ قريب توفّر على أحداث أثارت أسئلة تفوق ما قدمته من إجابات. وفي هذا السياق من طرح الأسئلة المشروعة لم يكن الشعب التونسي يريد جثة كمال القضقاضي بقدر ما كان يرنو إلى حقيقة قد تفيد -إن استندت على دعائم صلبة- في تخفيف التوتر السياسي وإبعاد الأسباب المغذية للاغتيال والقتل. فالقتل أسباب ومناخ قبل أن يكون أداة وسلاحا و”كمال القضقاضي”.

في قتل كمال القضقاضي ارتجال في التعامل مع الإرهاب والإرهابيين، ولا نتصور أن الأجهزة الأمنية بكل ما تملكه من خبرة وتقنيات انعدمت لديها سبل إلقاء القبض على القضقاضي وصحبه أحياء، وهنا يصبح “ارتياب” بعض الأوساط مشروعا بالنظر لما كان سيوفره التحقيق مع المتهم الأول (رسميا) في اغتيال شكري بلعيد (تصريحات أخرى تقول إنه ضالع في اغتيال البراهمي) من معلومات عن الجهة المستفيدة والداعمة والمتكتمة على الاغتيال الأول والثاني.

قتلَ “المتهم” كمال القضقاضي، لكن في الشعب التونسي نسخ كثيرة منه، وطالما بقيت بيئات إنتاج التطرف فستظهر النسخ الأخرى سريعا. ولذلك فإن كشف الحقيقة في ومعالجة الأسباب العميقة المنتجة للتطرف والإرهاب والتوتّر السياسي العالي هي كلها معالجات أكثر جدوى ونجاعة من قتل القضقاضي. قتل القضقاضي هو بمثابة التخلّص من سلاح القتل وأداته، وهو اختصار للجريمة في بعدها الإرهابي والأمني، وصرف نظر عن الأبعاد السياسية والاجتماعية الأكثر أهمية.


كاتب صحفي تونسي

9