القضية الفلسطينية بين موقف القطار ومواقف التاكسي

الثلاثاء 2015/04/07

جملة من العوامل يجب مراعاتها لضمان وصول المرء إلى هدفه، فبعد تحديد الوجهة وتقدير المسافة وموعد الوصول وتكلفة الرحلة وضمان قوت الترحال تشد الرحال.

وعليه فقد اصطف الشعب الفلسطيني منذ عام 1967 في طوابير رحلة كانت تنضبط وفق معايير شد الرحال، فكانت الوجهة تحرير فلسطين، والمسافة بعيدة ولذلك نحتاج إلى قطار يجمع شملنا ويحشد هممنا. فموعد الوصول هو الانعتاق من الاحتلال، وتكلفة الرحلة تدفع بفاتورة الدم وغبن السجان وألم التشرد، وبقليل من المأكل والمشرب، وكثير من الكبرياء والصمود والشموخ.

رغم أن الرحلة شاقة فإن القطار كان مليئا بالحب والأخلاق وإعلاء لغة الجمع والوطن على لغة الفرد والحزب، مما فرض على الجميع احترامنا في جملة من المحطات. لم تكن آخرها بيروت والقاهرة وعمان وتونس والقدس ورام الله والخليل وغزة وجباليا وجنين ورفح، بل امتدت إلى كل مدينة تنبض بالأحرار.

معظم المحطات كانت تزيدنا قوة وتوحدنا أمام بطش المحتل، وفي منتصف الطريق توقف بنا القطار في محطة أوسلو التي أربكت الجميع وزادت من استفسارات الرّكاب، لا لأنها لم تكن ضمن جدول الرحلة فحسب، بل لأنها كانت أيضاً تنطق بلغة غير لغة الأم التي اعتدناها، ولم تكن واضحة بما يكفي للإجابة عن استفسارات الركاب المستفزة للقبطان. ولكن وبعد أن وصلت الترجمة المقتضبة، فهم الركاب أن الوجهة هي دولة في فلسطين بحدود عام 1967 وعاصمتها القدس تطبيقاً للقرارات الدولية، وفي بعض الأحوال كانت تُعنْون بشعارات فضفاضة، ولكن لم يكن هذا مقنعاً بما يكفي للحيلولة دون قفز بعض الركاب وعدم استكمال الرحلة.

ساد الصمت عربات القطار وكأن الشعور بأن حالة الارتباك ألقت بظلالها على جو اللحمة ولغة الجمع، ولكن طول الرحلة ساهم في إقناع الكثير بأننا بحاجة إلى استراحة، وبدأت تتسلل داخل الركاب مصطلحات فن الممكن، والجوهر المتصلب والتكتيك المرن، والمرحلية، والخصوصية العربية بعد حرب الخليج، إلى ما هنالك من مبررات في مسعى لمحاصرة القلق من المجهول. بعدها كان المشهد عاطفياً بامتياز، فمحطة غزة-أريحا أولاً، وما تلاها من وعُود تسويقية، أطلقت العنان لطائر أحلامنا كي يحلق فوق شواطئ غزة وجبال الضفة وأسوار القدس.

كان من الضروري حينئذ أن نلتفت لترتيب الأولويات حسب الضرورة، بعد هذه الرحلة الطويلة التي كانت تقتضي ترتيب الصفوف وبناء المؤسسة ومساندة الثكالى وتضميد الجراح وسد رمق المرتحلين وصيانة القطار.

لم يحظ ما سبق من أولويات بمكان أمام معضلة تغليب الخاص على العام، وانتشرت أوساخ المحسوبية والفساد داخل عربات القطار لكنه استمر في التقدم بسرعة خجولة.

وفي “محطة كامب ديفيد” التفت القبطان إلى الركاب مطالباً بدفعة جديدة من “أجرة الطريق” لاستكمال الرحلة وزيادة السرعة، وكان له ذلك: انتفاضة تشتعل بفاتورة الدم على مذبح التحرر والانعتاق، إلى أن وصل بنا القطار إلى محطة انتخابات 2006 التي تجلت في عرض برنامج عمل بديل وجديد، يتمثل في تنظيف القطار وزيادة سرعته وتعديل وجهته. علماً بأنه بات يسير على سكة أوسلو، ولكن استهوى هذا البرنامج أغلب الركاب مرة أخرى بكثير من العواطف وقليلٍ من المنطق، لندخل معه مرحلةً هي الأصعب في تاريخ رحلتنا المريرة. فلم يعد قطارنا نظيفاً كأخلاق الثائر، واستبدلنا مدرسة المحبة بمدرسة الحقد والتخوين والتكفير، ولم يبقَ من المعنويات ما يحافظ على الروح من الارتقاء لبارئها، حتى انقلب القطار وانقلب معه الجميع في أتون الفوضى والعبثية الوطنية.

لم يعد باستطاعة أحد أن يعيد القطار إلى سكته، أو يعمل على إنشاء قطار بوجهة وسكة أوضح وسرعة أكبر، فخسرنا القطار لصالح نظام التاكسي الأصفر والأخضر والأحمر والأسود والخاص والعمومي.

وفي موقف التاكسي، تسمع المهللين من كل الألوان. فهي العروض التسويقية ذاتها من حيث المضمون مع تغيير في أسلوب العرض، فالمضمون يمكن صياغته على النحو التالي “سأوصلك إلى القدس ودولة على حدود 1967”. أما طريقة العرض فهي مختلفة، فمن جهة ينادي الأول “تعال هنا اركب معي لأوصلك بسرعة متأنية حسب ضوابط رادارات الطريق، وسيتم توزيع وجبات ساخنة ومرطبات أثناء الرحلة والمكيف شغال”، في المقابل يرد الثاني “تعال إلى هنا سنصل بسرعة لأن سائقنا أكثر جرأة ولا يكترث للرادارات ولا تخسر رحلتنا من أجل وجبة ومكيف وسنفتح الشبابيك أثناء الرحلة”، ليرد آخر “لا تركب معهم وأبق معي فأنا سأضمن لك فلسطين، كل فلسطين، وسندخل من طريق ترابي بلا رادارات، ولا تخف حتى لو انفجرت السيارة”.

فيما يخص الركاب فإنهم اكتشفوا بعد أن جربوا نظام التاكسي، أنها رحلات سياحية تتجول في نفس الأزقة لتعود بهم إلى نفس المكان، مع إجبارهم على دفع فاتورة باهظة ما دفع معظمهم إلى أن ينفض عن الترحال.

يا أصحاب التاكسي الملونة كفاكم تسكعاً في الأزقة المعتمة وعودوا إلى القطار الذي يجمعنا بثقافة الحب والتكافل، ولو بقليل من قوت الوطن أفضل من تاكسي يتسكع بدمائنا ويرهق معنوياتنا وهمة المرتحلين، وتوقفوا عن العروض التسويقية والتسلق على قوتنا وشغفنا بالانعتاق من المحتل.

تنويه: إذا قررتم الاستمرار في نظام التاكسي، فعليكم زيارة ميكانيكي لديه حفرة للصيانة، لأن رائحة العادم تزعج أحلام أطفالنا. ملاحظة أخيرة؛ تحديث إطارات التاكسي من طراز شركة المنسق الخاص لعملية التسوية في الشرق الأوسط روبرت سيري لن يغير سرعة الموتور وتهالك الهيكل.

كاتب فلسطيني

9