القضية الفلسطينية في الاستراتيجية الروسية

الخميس 2014/03/27

بعد أن اتسم عهد روسيا القيصرية بعدائها لليهودية، مما جعل القومية الروسية ترفع شعارا لا يزال حتى اليوم “اقتل الجِيد تنقذ روسيا “والجِيد هو اليهودي.

ونتيجة للظلم الكبير الذي لحق المواطنين الروس من الديانة اليهودية، انتمت الأغلبية منهم إلى الحزب البلشفي والأحزاب الثورية الأخرى، بعد أن تم تغيير أسماء عائلاتهم خوفا من اضطهاد الدولة، لكن ستالين خرق هذه العادة وفاجأ العالم كله عام 1948 باعترافه الدبلوماسي بدولة إسرائيل المصطنعة في الجسم العربي، وهذا الاعتراف سبق الولايات المتحدة. لكن بعد ثورة نيكيتا خروتشوف عام 1953 اتخذت روسيا توجها جديدا في دعم الحركات الثورية المقاومة للاستعمار، وكانت المنطقة العربية منطقة جذب لتوجهاتها الأيديولوجية. كان الاتحاد السوفيتي السابق خلال الحرب الباردة الحليف الأول والمصدر الأساسي للمساعدات العسكرية والاقتصادية لعديد البلدان العربية. فقد صاغ علاقاته مع أنظمة عربية وأحزاب مختلفة في ظل الصراع بين القطبين، ومن خلال تغليب مصالحه وخدمة نفوذه الدولي، كان يدعم الأنظمة العسكرية والأحزاب التقدمية والشيوعية/ عسكريا وسياسيا، ومخابراتيا. وفي عام 1970 حصل الانفتاح على منظمة التحرير الفلسطينية من خلال الاعتراف الدبلوماسي وفتح سفارة لها في موسكو، واعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني بما يكفل لها الدعم وعدم الاستسلام أمام إسرائيل.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وتدهور الأوضاع الداخلية في روسيا وانتهاء الحرب الباردة على الصعيد الدولي، تراجع الوطن العربي في الاستراتيجية الروسية، مما انعكس سلبا على القضية الفلسطينية والعديد من فصائل منظمة التحرير التي ربطتها علاقات قوية بالاتحاد السوفيتي. فالموقف السوفيتي كان يدعم إقامة دولة فلسطينية والحد من الاستيطان الصهيوني. وفي مؤتمر مدريد عام 1991 الذي عقد من أجل إيجاد تسوية بين الأطراف المتصارعة كان دور الاتحاد السوفيتي ضعيفا، ولكن العرب أصروا على مشاركته كراع للمفاوضات كي لا تنفرد أميركا بالوساطة بين الأطراف. فكانت جولة وزير خارجيته آنذاك الكسندر بسمرتنخ مع الوزير الأميركي جميس بيكر إلى الشرق الأوسط من أجل إقناع الأطراف بالمشاركة في المؤتمر. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي حاولت روسيا الوريث الشرعي له الاستمرار في تنفيذ سياسته ولكنها كانت ضعيفة وغير فاعلة بسبب الانهيار الذي عرفته بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. لكن دورها بالنسبة إلى القضايا العربية عامة والفلسطينية خاصة بدأ يتراجع وأصبح هشا يكاد لا يذكر.

جدير بالذكر أن الاتحاد السوفيتي قبل انعقاد مؤتمر مدريد بأسبوع أقام علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وأوفد إليها سفيرا. وبسبب سياسة الانفتاح الذي بدأها غورباتشوف، بدأت عام 1989 الهجرة اليهودية إلى إسرائيل من خلال فتح خطين جويين عن طريق فنلندا وبولونيا، ووصل عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين المحتلة إلى أكثر من مليون مهاجر، ومعظمهم استعادوا الجنسية الروسية بعد أن أسقطت عنهم. فالجالية الروسية في إسرائيل أضحت ذات ثقل سياسي ومالي ولها تأثيرها في الحياة السياسية مما دفعها إلى تأسيس أحزابها وجعلها لاعبا أساسيا في تقرير الحياة السياسية للبلاد، ما دفع صقور الكرملين إلى التوجه نحو هذه الجالية واجتذابها.

سياسة الانفتاح التي مارسها الاتحاد السوفيتي سابقا فرضت عليه التراجع عن اعتباره الصهيونية موازية للعنصرية في الأمم المتحدة. وبعد تغيير القيادة الروسية وفي ظل تربع الرئيس بوتين على الحكم وبضغوط قومية من أحزاب شيوعية وليبرالية مورست على الحكومة من أجل أن تلعب دورا أكثر فعالية في الفضاء الخارجي وفي قضايا المنطقة والدخول مجددا من البوابة العربية، خاصة بعد توقف عملية السلام ومع صعود نجم نتانياهو إلى السلطة والاتجاه بالشعب اليهودي نحو التطرف، بدأت روسيا تخطو نحو لعب دور مميز في إحياء عملية السلام مجددا. فالموقف الروسي الصاعد . إلى الحلبة الدولية يحاول أن يكون شريكا دوليا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط والشرق الأدنى رغم عدم تناسب الأدوار بينهما، فكان التوجه الروسي نحو الجالية الروسية “اليهودية” في إسرائيل من أجل جذبها والاستفادة منها من خلال التالي:

- مبادرة نزع النظام السوري لأسلحته الكيميائية، وهي مبادرة حالت دون تورط أميركا في مغامرة عسكرية جديدة .

- محاولة الروس تخفيف الأزمة الغربية مع إيران من خلال التوصل إلى اتفاق يرضي الجميع بشأن ملفها النووي.

- تحاول الدبلوماسية الروسية أن تلعب دورا وسيطا بين الإسرائيليين والفلسطينيين في رعاية رسمية لعملية السلام كما عبر عن ذلك بوتين في مؤتمره المنعقد في موسكو في 2 أكتوبر 2013 حيث قال فلاديمير بوتين، إنه يتمنى استئناف الاتصالات المباشرة بين إسرائيل وفلسطين ويريد أن تؤدي هذه الاتصالات إلى إيجاد حل طويل الأمد للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، واعتبر أن هذا ممكن لأن الفلسطينيين والإسرائيليين يتلهفون لإيجاد الحل، وأبدى استعداد بلاده لضمان التوصل إليه، قائلا: “يمكننا أن نساعد ونكون ضامنا”. وأشار إلى أن “الدور الذي تستطيع روسيا أن تقوم به هو دور الضامن في حين أن الاتفاق على تسوية النزاع يجب أن يقترحه الطرفان المتنازعان وينفذانه بنفسيهما”.

تقوم أهداف روسيا حاليا انطلاقا من دعوة الرئيس بوتين إلى حلول التسوية، على رعاية المصالح الخاصة التي بدأت تفرضها الاستراتيجية القائمة على أولوية مصالح موسكو الاقتصادية ونفوذها الدولي، لا على أساس الأيديولوجية “الفكرية” السابقة.

يحاول الروس أن يكونوا شركاء حتى من الدرجة الثانية في الشرق الأوسط ومنطقة شرق آسيا، التي تسعى أميركا إلى أن تتوجه إليها في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية والانكماش الاقتصادي والمالي الأميركي.

الوجود الروسي في الشرق الأدنى لا يمكن تخطيه، أما في الشرق الأوسط فيرى الروس أن فرصتهم نموذجية في لعب هذا الدور بما يعيد دورهم السياسي الدولي إلى الواجهة، فالملفات المطروحة في الشرق الأوسط لا يمكن حلها دون مساعدة موسكو، لأن لروسيا مصالح يجب مراعاتها ولا يمكن اختصارها بقاعدة طرطوس وبيع السلاح وإنما بمدى العمق الاستراتيجي والترابط بين روسيا والدول العربية والشرق الأوسط من خلال المصالح المشتركة والروابط الثقافية والدينية. لكن في ظل تصاعد التوتر الروسي- الأميركي في أعقاب الأزمة الأوكرانية إلى أين ستتجه الأمور بين العملاقين؟


كاتب لبناني

9