القضية الكردية تغرق في مستنقع التجاذبات الإقليمية والدولية

الخميس 2016/11/03

بدأت القضية الكردية تغرق في مستنقع التجاذبات الإقليمية والدولية أكثر مما تخدم مصالحها ومصالح أوطانها في الصراعات الحالية.

وقد خلطت الأوراق مشاركة قوات البيشمركة في معركة طرد داعش من الموصل انطلاقا من عين نوران، وعبر محاولة الدخول إلى مدينة بعشيقة القريبة بدعم من القصف الجوي التركي، حيث خطوط التماس الكردية. وجعل هذا الواقع تكلفة رهانات الحركات الكردية على هذا الطرف أو ذاك مرتفعة، لكن مكاسبها قصيرة الأمد، وهو ما يوضح أن كل طرف كردي في المعادلة القائمة يبحث عن مكاسب تخدمه حصريا، مما يجعلها تنطلق بلا توافق بين أطرافها ولا بأهداف محددة.

الدعم الخارجي الغربي للمعارضة السورية تحوّل إلى مجرد معالجة ما يجري في سوريا لصالحه، سواء عبر استغلاله القضية الكردية أو في مواجهته للحركات الجهادية، فالقوى الغربية تنظر إلى الأزمة السورية اليوم من زاوية تقليص الخطر الإرهابي على أراضيها بالدرجة الأولى.

كذلك تحولت النظرة التركية للأزمة السورية، وتم اختزالها كليا في التهديد الكردي، فمنذ اندلاع المعارك الضارية يوم الجمعة 21 أكتوبر الماضي، وأثناء زيارة أشتون كارتر وزير الدفاع الأميركي لأنقرة، اندلعت صراعات عنيفة بين قوات الجيش السوري الحر المدعومة من الجيش التركي مع الفصائل الكردية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية.

ويبدو أن الغاية من زيارة أشتون كارتر كانت خفض حدة التوترات بين بغداد وأنقرة، ثم مساعدة تركيا حليفها في الناتو على لعب دور ما في معركة الموصل بعد تلويح أنقرة مرارا بضرورة أن تختار واشنطن بين حليفتها في الناتو أو المنظمات الإرهابية.

ويتوضح ذلك حين تجنب المسؤول الأميركي الحديث عن الهجوم التركي على 18 موقعا تابعا للميليشيات الكردية السورية المسلحة في منطقة ماريا، وهي مدينة تقع شمال غرب حلب، حيث هاجمها الأتراك بعد اندلاع مناوشات بالمدفعية في عفرين، وهي إحدى الكانتونات الكردية التي تقع شمال غرب سوريا.

كما أن محاولة الاستيلاء على مدينة الباب الاستراتيجية الواقعة شمال حلب، تُبين الاستراتيجيات المتضادة في الحرب التركية المعلنة على داعش، فالأكراد يرون أن تخليصها من أيدي داعش يعني القدرة على ضمان الربط الجغرافي الممتد بين كانتونين كرديين، شمال شرق سوريا (عين العرب والجزيرة) وعفرين، وهو السيناريو الكارثة الذي يخشاه الأتراك، فيما يعتبره المتمردون السوريون مفتاح الطريق نحو حلب، بينما يهدد النظام السوري من جديد بإسقاط أي طائرة تركية تخترق الفضاء الجوي، لكن روسيا التي تسيطر فعليا عليه، اكتفت بالتعبير عن انشغالها بهذه “الوضعية القلقة”.

ومما سبق من هذا الشد والجذب، يمكننا معرفة أسباب فتيل التوتر القائم بين العراق وتركيا، وبينها وبين سوريا، فمعركة ما بعد الموصل، وكل المعارك الأخرى المحيطة بها حاليا، تستدعي تحالفات ضد داعش، لكنها في واقع الأمر تستبطن في الوقت نفسه أهدافا أخرى وحروبا تخاض مباشرة تارة أو بالوكالة تارة أخرى، فيما تبقى التحالفات دائما غير مستقرة، فروسيا اليوم على عكس البارحة، مرتاحة جدا بصفقتها مع تركيا، خاصة أنها أوقفت انتصار المعارضة السورية في إدلب (مارس 2015)، وتقدمها في جسر الشغور (ماي 2015)، حيث لم تستطع المعارضة منذ ذلك الوقت تحقيق السيطرة على الطريق الاستراتيجية التي تفصل بين دمشق والمنطقة العلوية: مركز الدعم الثاني للنظام السوري من حيث الأهمية.

في خضم ذلك، يتراجع تنظيم الدولة الإسلامية، ويفقد مواقعه دون أن تنخفض حدة الصراعات المسلحة في المنطقة، فالهزيمة في تدمر (مارس 2015)، شكلت منعطف التراجع في جغرافيته العسكرية جنوبا، وكان فقدانه عين العرب- كوباني (يناير 2015)، ودابق (أكتوبر 2016)، مؤشرا على فشله في الاحتفاظ بمواقعه شمالا.

وبدأ يتعرض لهجوم على جهته الشرقية في العراق من طرف الحكومة المركزية، والأكراد وقوات التحالف. لكن هذا التحالف بدوره يظل هشا للغاية، نظرا لتعدد رهانات أصحابه وتضاربها، بحيث تظل الميليشيات الشيعية، والميليشيات الكردية متناقضة في أهدافها، وقاب قوسين أو أدنى من الدخول في متاهات احتكاك جديدة بسبب الموصل.

ويسعى الأكراد لتعزيز مواقعهم بعد الانتصار في عين العرب (يناير 2015)، وتل الأبيض (يونيو 2015)؛ إذ يتطلعون عبر مشاركتهم في معركة الموصل إلى تعزيز استقلاليتهم، لكن تصاعد حدة القصف التركي منذ أغسطس 2016، والحلف المؤقت بين موسكو وأنقرة، وضعا حدا لتطلعات الأكراد في بناء كردستان مستقل.

أمام هذه الحرب المتعددة في مساراتها وفاعليها وتناقضات أهدافها في سوريا والعراق، يتبين أنه تم استغلال مطالب الحركات الكردية في العراق وسوريا، وجعل حركاتها المختلفة تعيش وهم تحقيق مكاسب دائمة أحيانا، أو وهم تحقيق استقلال كيانات موحدة أحيانا أخرى، بحيث تم الترويج لعدة حلول للقضية الكردية، لكن الاستجابة لها كانت ضعيفة.

وعمدت القوى الدولية لاستغلال مطالب الأقليات التاريخية بما فيها الإثنية الكردية باستخدامها في صراعاتها المسلحة بالوكالة. ولهذا السبب فإن مكاسب أكراد العراق وأكراد سوريا تبقى مهددة دوما وهشة، ما لم تف بمصالح القوى الكبرى، كما أنها تظل مهددة في لعبة التوازنات الإقليمية بين تركيا وإيران وسوريا والعراق، فهي كلها ترفض كيانات كردية موحدة أو مستقلة.

وهو ما يفرض مراجعة الأولويات في مطالب الأكراد بين الوحدة والحكم الذاتي في مرحلة الصراعات الإثنية والطائفية والمذهبية في سوريا والعراق وتركيا، وتعزيز الخيار الوطني على حساب أي تمايز أو خصوصية تاريخية لغوية أو مذهبية أو طائفية، فالأولويات الحالية في الأهداف غير المعلنة لحرب الموصل، يجب أن تكسر مسوح الطائفية والمذهبية، فهي في سقفها الحالي موزعة بين حسابات إقليمية ودولية، بحيث يسعى كل فريق إقليمي أو دولي إلى رسم خريطة تشكل نفوذه في دولة العراق وسوريا مستقبلا، وهي محددة اليوم بمن يسيطر على الموصل؟ ومن سيديرها؟

باحث في جامعة السوربون

6