القضية الكردية في تركيا: الإصلاح أم السلاح

الأربعاء 2013/10/30
لا يمكن للحكومة التركية إسقاط حزب العمال الكردستاني وأنصاره من حساباتها

اسطنبول- عبّر أوجلان عبر رسالته عن استعداده لإنزال مقاتلي الحزب من جبال شمال العراق شريطة أن تقوم الحكومة بإصدار القوانين اللازمة التي تسمح لهم بالعودة إلى منازلهم، مكتفياً بطلبات بسيطة لنفسه منها السماح له بالتواصل مع العالم الخارجي.

وأكد دمرتاش أن الحكومة يجب أن تستجيب لطلبات زعيم العمال الكردستاني بإصدار القوانين اللازمة لضمان سلامة المقاتلين في حال إلقائهم سلاحهم؛ ولم يعلق على ردة الفعل المحتملة من PKK في حال لم تستجب الحكومة لمطالب أوجلان، لكنه نوّه بحذر إن "ردت الحكومة على رغبات أوجلان المذكورة في الرسالة فسيعتبر ذلك أمرا إيجابيا وبالتالي سنتقدم في عملية السلام، وإن لم تجب سيعتبر اقتراح أوجلان غير مقبول" مؤكدا بأن أوجلان يعتبر هذا الأمر بمثابة الخطوة الأخيرة إن حصل تقدم كان بها، وإلا ستكون الأوضاع صعبة جدا.

وتأتي هذه التصريحات بعد التصعيد الذي شهدته الساحة السياسية التركية على إثر التهديدات الأخيرة الصادرة عن أحد قيادات الجناح السياسي وأحد مؤسسي حزب العمال الكردستاني جميل بايك، حيث هدد بإعادة إدخال مقاتلي الحزب مرة أخرى إلى الأراضي التركية واستئناف الحرب في حال لم تقم الحكومة التركية بأي خطوة لإعادة إحياء عملية السلام المتعثرة بين الطرفين.

وهدد بايك بالقول: "إما أن تقبل الحكومة التركية الدخول في مفاوضات عميقة ذات معنى مع الحركة الكردية وإما أن تكون الحرب الأهلية في تركيا مجددا"، كما اتهم حكومة حزب العدالة والتنمية بإدارة حرب ضد أكراد سوريا بالوكالة من خلال مساندة الجماعات الإسلامية المتطرفة في سوريا، الأمر الذي نفته الحكومة التركية مرارا وتكرارا في مناسبات عدة، رغم تأكيد بعض المسؤولين بأن الأزمة السورية عرقلت الجهود التركية لإنهاء الصراع مع حزب العمال الكردستاني.

بدأ أوجلان المحادثات مع المسؤولين الأتراك في العام الماضي لإنهاء الصراع الذي كلّف تركيا أكثر من أربعين ألف قتيل في العقود الثلاثة السابقة وجعل حزب العمال على قائمة الإرهاب في كل من تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. حيث تمت الدعوة في آذار/ مارس من العام الماضي إلى وقف لإطلاق النار وأمر أوجلان قواته بالانسحاب إلى إقليم كردستان في شمال العراق، لكن تم تعليق الانسحاب في الشهر الماضي على خلفية اتهام الحزب لأنقرة بعدم القيام بما يترتب عليها تجاه عملية السلام بين الطرفين.

وبعد دعاية استمرت ما يزيد عن العشرة أيام لباقة إصلاحات بقيت مجهولة المحتوى حتى الإعلان عنها، لم تحمل إصلاحات أردوغان التي أقرها البرلمان في وقت سابق من الشهر الحالي إلا الخيبة للأكراد الذين كانوا ينتظرون اعترافا بالقومية الكردية أو قوانين عفو تسمح لمن ترك السلاح في الجبال بالعودة إلى تركيا والمساهمة في الحياة السياسية، وهذا ما عبر عنه بوضوح كل من قيادات حزب السلام والديمقراطية الكردي وأيضا قيادات حزب العمال الكردستاني الذي كان آخرهم جميل بايك الذي وصف الإصلاحات بـ"الفارغة"، وقال: "إن هذه الإصلاحات لا علاقة لها بالديمقراطية" كما أكد بأنها "لا تغير في عقلية التعامل مع القضية الكردية".

واشتملت الإصلاحات الأخيرة السماح بالتعليم بغير اللغة التركية إضافة إلى بعض التعديلات في قانون الأحزاب التي سمحت للأحزاب الصغيرة بدخول البرلمان. وتأتي هذه الإصلاحات بعد خطوات جدية اتخذتها حكومة حزب الحرية والعدالة منذ استلامها للسلطة كإنشاء محطة تلفزيونية تابعة للتلفزيون الوطني التركي ناطقة باللغة الكردية وافتتاح أقسام للغة الكردية في بعض الجامعات التركية.

وتتزامن تطورات الأحداث بين الأحزاب الكردية والحكومة التركية، مع صدور تقرير في السابع من الشهر الجاري عن مجموعة الأزمات الدولية بعنوان "الذئب يبكي: ليس على المخاوف التركية أن تمنع الإصلاحات الكردية"، ويعد هذا التقرير مهما لفهم موقف الأتراك من مسار عملية السلام والحواجز النفسية التي تؤخر حلحلة الأزمة بين الطرفين، حيث يؤكد أن السبب الرئيس هو خوف حزب العدالة والتنمية من ردة فعل عنيفة من القوميين الأتراك قد تخسره شعبيته.

ويضيف بأن الشعب التركي، حسب الإحصائيات والاستبيانات، يؤيد عملية السلام وإنهاء الصراع وفق قواعد الديمقراطية، من ناحية أخرى، فإن المعارضة السياسية القومية التركية المتمثلة في حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية اتخذت موقفاً معارضاً للمفاوضات مع حزب العمال الكردستاني وللإصلاحات الموجهة للكرد، وهذه الأحزاب تمتلك شعبية لا يستهان بها في الغرب التركي، وهو ما أثبتته الاحتجاجات الأخيرة التي أثارتها أحداث حديقة "غيزي" من حيث الاعتراضات الشديدة ضد توجهات أردوغان سواء الدينية أو التي تخص القضية الكردية، مما اضطره لاتخاذ مواقف أقل انفتاحاً في القضية الكردية بدت واضحة من خلال الإصلاحات الأخيرة التي خيبت توقعات الحركة الكردية، حيث ابتعد عن أسهل الإصلاحات الممكنة، فخفّض نسبة الأصوات التي تخول للأحزاب دخول البرلمان فقط 10بالمئة من مجمل الأصوات.

كما يؤكد التقرير على الادعاءات التي تشير إلى أن معظم الأتراك خائفون من أن تؤدي الإصلاحات إلى تقسيم الجمهورية والقضاء على الهوية التركية للبلاد، فثلاثين عام من التخويف والضخ الإعلامي ضد الحركة القومية الكردية بحاجة إلى الكثير من العمل لإنهائها.

ورغم الفوضى والصراعات الكبرى التي تحيط بتركيا، يجمع الباحثون الأتراك بأن إمكانية الدخول في انتكاسات كبرى على الصعيد السياسي تكاد تكون معدومة، فمن جهة هناك النمو الاقتصادي المضطرد والإصلاحات والمحاكمات التي كبحت جماح المؤسسة العسكرية التركية، ومن جهة أخرى عضوية الاتحاد الأوروبي التي تكاد تكون الأمر الوحيد المجمَع عليه بين مختلف التيارات السياسية إضافة لفكرة رفض أي انقلاب جديد.

لقد حمل حزب العمال الكردستاني السلاح ضد تركيا عام 1984 مطالباً بإنشاء دولة كردية مستقلة في جنوب شرق تركيا، حيث يشكل الأكراد- وفق إحصائيات غير رسمية- ما يقارب عشرين بالمئة من مواطني الجمهورية التركية الذين عانوا من إنكار شديد لحقوقهم السياسية والثقافية. لكن وجهة النظر هذه تعرّضت لمراجعات كثيرة وجذرية من قادة الحزب الذين تنازلوا عن رغبة الاستقلال إلى الفدرالية ومن ثم استعاضوا عن ذلك بالتفاوض على الحقوق الثقافية وصلاحيات موسعة للحكومات المحلية في الولايات، أما الدولة التركية فلم تدخل في عملية المراجعة إلا منذ سنوات قليلة وبصعوبة بالغة مما يؤكد بأن الجمهورية التركية لازال أمامها طريق طويل من الإصلاحات.


بالتعاون مع مؤسسة أنا ANA للإعلام الجديد

12