القطار السريع في لندن على أنقاض مقبرة أثرية

علماء الآثار ينبشون الآلاف من القبور الأثرية في لندن  بهدف نقلها من موقعها لإفساح المجال لخط قطار سريع، مما يثير جدلا بسبب كلفته وعمليات نزع ملكية الأراضي.
السبت 2018/11/03
كنز من الحقائق المخفية

يبدو أن تسارع الحياة واكتظاظ المدن يدفعان إلى تغيير الخارطة المعمارية لتلك المدن، وهو ما يثير جدلا واسعا حول فقدان جمالية المدينة خاصة تلك التي عرفت بطراز مميّز كما في العاصمة البريطانية لندن التي تعمل على مد شبكة سكك حديدية لقطار فائق السرعة أتت على تغيير مقابر ذات قيمة تاريخية من مكانها، ما سمح للمؤرخين باكتشاف كنوز أثرية تفيدهم في دراساتهم، لكنّه غير وجه المدينة.

 لندن - ينكبّ جيش من علماء الآثار على نبش الآلاف من القبور الأثرية في لندن التي تغطّيها طبقة كثيفة من الطين بهدف نقلها من موقعها لإفساح المجال لخطّ قطار سريع فائق السرعة يثير جدلا كبيرا.

وتم استخراج أكثر من 1200 هيكل عظمي من أصل الجثامين البالغ عددها 40 ألفا التي ترقد في حديقة سانت جيمس بالقرب من محطة يوستن، وهي فسحة خضار باتت مغلقة للعامة شكّلت مقبرة بين 1788 و1853. وهذا الموقع هو من بين حوالي ستين موقعا أثريا تم تحديدها في إطار مشروع خطّ القطار السريع الثاني “أتش أس 2” قيد الإنشاء في إنكلترا.

ومنذ عدّة أسابيع، تحوّل موقع سانت جيمس غاردنز في شمال العاصمة البريطانية إلى حقل موحل تنتشر فيه الحفريات التي يصل البعض منها إلى عمق ثمانية أمتار. ويعمل فيه العشرات من علماء الآثار الذين يرتدون بزّات حمراء ويعتمرون قبعات بيضاء ينكشون الأرض أو يمدّدون بقايا بشرية تحت سقف رُفع مؤقتا على 11 ألف متر مربع يحميها من الأمطار والفضوليين.

وسمح الطين بالحفاظ على القبور بحال جيّدة جدا. وقد عثر في أحدها على تابوت خشبي لم يمسّه أي سوء. والعمود الفقري للهيكل العظمي فيه مقوّس بعض الشيء لكن الجمجمة مازالت تتمتع بكل أسنانها. ومن شأن هذا الكشف أن يسمح بسبر أغوار حقبة مهمّة من مرحلة التصنيع في بريطانيا للتعرّف بشكل أفضل على عادات السكان وقتها وطقوسهم الجنائزية.

وقال مايك هندرسن، العالم المتخصص في دراسة العظام في تصريحات، “هو على الأرجح أكبر تجمّع للهياكل العظمية العائدة إلى الفترة الممتدة بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر يُكشف عنه النقاب بحال كهذه في البلد”.

وأردف “مع معطيات كهذه، بوسعنا فعلا التطرّق إلى مسائل مهمة.. كنوع الأمراض المنتشرة وقتها ومعدّل الوفيات”.

نقل القبور يفقدها قيمتها التاريخية
نقل القبور يفقدها قيمتها التاريخية

وقد عثر الطاقم على آثار لمرض السلّ ورضّات مع عظام مكسورة وأكسسوارات للأسنان وأسنان مركّبة وندوب لجراحات على جماجم مشقوقة.

ويثير مشروع الخطّ السريع “أتش أس 2” جدلا محموما في بريطانيا بسبب كلفته وعمليات نزع ملكية الأراضي المترتبة عليه ومسلكه الذي يعبر الريف الإنكليزي.

وقدّرت كلفة الشقّ الأول منه الذي يربط لندن ببرمنغهام (وسط إنكلترا) بـ24 مليار جنيه إسترليني (حوالي 27 مليار يورو) ومن المزمع إنجازه في العام 2026. ومن المرتقب أن يكمل المشروع طريقه لاحقا باتجاه الشمال.غير أن هذه المشروع هو بمثابة نعمة لعلماء الآثار الذين بات يتسنى لهم بفضله نبش أنقاض أثرية تعود إلى الحقبة الرومانية والقرون الوسطى والمرحلة الصناعية في إنكلترا.

وقالت هيلن واس، المسؤولة المكلّفة بمسألة التراث في مشروع “أتش أس 2”، “ما كنا لنقوم بهذه الاكتشافات لولا هذا المشروع”.وفي يوستن، بدأ علماء الآثار بنبش الجزء المخصص للأغنياء من المقبرة حيث كتبت الأسماء على التوابيت ووضعت لوحات ورسومات من الرصاص عليها في قبور من الحجر. ويضمّ هذا الشقّ قبر جيمس كريستيز مؤسس دار المزادات الشهيرة التي تحمل اسمه. ومن المرتقب أن ينتقل الفريق الذي يضمّ مئتي فرد يعمل البعض منهم في مختبرات نصبت في الموقع، إلى الأجزاء الأكثر فقرا من المقبرة على مرّ الأيام. وستوارى الهياكل العظمية الثرى مجددا بعد فحصها وتنظيفها في موقع لم يحدّد بعد.

وبعد مغادرة علماء الآثار الموقع، يعطى الضوء الأخطر للمباشرة بمدّ خطّ القطار السريع الذي يشمل 11 مسلكا.

17