القطريون في اليمن السعيد

الخميس 2017/12/07

إن من المتفق عليه أن الصغير الذي يضع رأسه بين مطارق الكبار لا يحصد سوى وجع الرأس أو قطعه. وهذا ما حدث في صنعاء مؤخرا.

والحقيقة أن المرء يحار في أمر مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح. فهل يحزن على غدر حلفائه الإيرانيين به، أم لا يحزن، وهو الذي تحالف معهم ضد أهله، حبا في السلطة التي أدمن عليها، وانتقاما من شعبه الذي انتفض عليه وأجبره على التنحي؟

فكل ما حدث في اليمن من خراب، وما أريق فيه من دم، في سنواته الأخيرة، دون شك، كان نتيجة لتحالف علي عبدالله صالح مع الحوثيين، وهو الذي حاربهم طويلا، وكلف جيشه وشعبه الآلاف من الشهداء والجرحى والمشوهين والمختفين، ويعلم أكثر من غيره بأنهم طائفيون، وإرهابيون، ووكلاء مُعلَنون ومُجاهِرون بوكالتهم عن النظام الإيراني الساعي إلى استخدامهم لفرض هيمنته على اليمن، والانطلاق منه إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية، أو إضعاف مقاومتها لتدخلاته في المنطقة، في أقل تقدير، بدوافع عنصرية وطائفية لا ينكرها إلا المكابرون والمزورون.

وباستعراض تاريخ علاقة علي عبدالله صالح مع إيران الخميني نجد أنه استدار إليها في التسعينات، مضطرا، ومستعيضا بتحالفه معها عن التحالف السابق مع الراحل صدام حسين الذي لم تعد يده، في زمن الحصار، قادرة على أن تدفع له ثمن دعمه وتأييد سياساته، والدعاية له، ومخاصمة من يعاديه.

كان ينبغي أن تبقى علاقة القتيل بإيران في الحدود الاعتيادية المتوازنة التي تقام بين دولتين، على أساس تبادل المصالح والاحترام، ودون تدخل إحداهما في الشؤون الداخلية للأخرى، ناهيك عن تشكيل الميليشيات من بعض أهلها، وتسليحها، وتسلطها على دوائر أمنها ودفاعها، والتحكم بعلاقاتها مع محيطها العربي، على وجه الخصوص.

ثم جاءت ثورة الشعب اليمني التي أجبرته على التنحي في العام 2012، لكنه، وهو المدمن على السلطة، لم يستسلم لحكومة نائبه عبدربه منصور هادي، وظل يشاكسها ويعرقل أعمالها.

وعند قيام حلفائه الحوثيين بانقلابهم في العام 2014 لم يعارض انقلابهم، بل أيده وجاهر بتحالفه الكامل مع الميليشيات التي نفذته، وقبل شراكتها، وسكت عن تدفق الأسلحة والمعدات العسكرية والأموال والمئات من الخبراء إليها من إيران.

بعبارة أخرى إن مجمل سياساته وتقلباته وتحالفاته هي السبب الأول والأهم في اشتعال حربه التي هي، أيضا، حرب الحوثيين وإيران ضد الحكومة اليمنية الجديدة والجيش اليمني والقبائل والأحزاب التي انتفضت ضد الانقلابيين، وضد حلفائهم السعوديين والإماراتيين والعرب الآخرين الرافضين لجعل اليمن حصان طروادة الإيراني في المنطقة، ليساعد نظام الملالي على إطباق كماشته على الدول العربية، كلها، ويجعلها أقاليم تابعة للإمبراطورية الفارسية الجديدة المغطاة بالمذهب الشيعي، وهو منها بريء.

وخلاصة القول هنا هي أن من يحتمي بالأفاعي ويضعها في كمه لا بد أن تلدغه ذات يوم. وهذا ما حدث، ليس لعلي عبدالله صالح وحده، بل لحكام عرب وأجانب كثيرين، قبله. والأمثلة كثيرة لا تعد.

وهذا ما يقودنا إلى الحديث عن دور الشقيقة “الكبرى” قطر في اليمن، ودعمها للحوثيين باستخدام حظوتها لدى الإخوان المسلمين اليمنيين، ودفعهم دفعا إلى مساندتهم، لا حبا باليمن ولا بالحوثيين، ولكن نكاية بأشقائها الأكبر منها حجما وعمرا وثروة.

فدولة قطر التي لم تملَّ ولم تكل من المراهنة على الخيول الخسرانة، والمنهمكة في “جهادها” من أجل إزعاج أشقائها، بكل وسيلة متاحة، أيا كانت وأيا كان حجمها، مازالت لا تنظر إلا بعيون غير عينها، ولا تسمع إلا بآذان غير أذنيها.

إنها تفعل اليوم، بالتمام والكمال، ما فعله علي عبدالله صالح الذي استقوى بعضلات الحوثيين لإغاظة أشقائه السعوديين والإماراتيين والمصريين، ثم صار سجينهم ورهينتهم، ثم قتلوه. وتنسى أن الإيرانيين لن يكونوا معها بأحسن مما كانوه مع حليفهم الذي فتح لهم أبواب اليمن، وقدمه لهم على طبق من صفيح.

إنها لا تتعظ. ولا تعتبر. فهي مازالت تربط حاضرها ومستقبلها بخيول سقطت في مصر وسوريا وفلسطين وتونس، وأخرى في طريقها إلى السقوط في العراق وليبيا ولبنان والسودان، ولا بد أن تسقط في اليمن، وإن كره الكارهون.

والسبب أن الزمن لا يمشي إلى وراء، وأن طوفان الفكر العصري التقدمي المتنور لا بد أن ينتصر على فكر العصور السالفة الذي انتهت صلاحيتُه للاستخدام، على اختلاف أنواعه وفئاته وأساليبه وقادته، مهما تعددت المعارك، ومهما طال أمدها، ومهما كان ثمنها الذي تدفعه شعوبنا هذه الأيام.

فالسحر لا بد أن ينقلب على الساحر، وتجارة الموت لا بد أن تموت، والمراهنون على خراب غيرهم لا بد أن يلحق بهم الخراب. وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين.

كاتب عراقي

9