القطط والورق والقماش.. طعام المحاصرين في الموصل القديمة

الأربعاء 2017/06/21
الخطر في كل مكان

نينوى (العراق) – يعاني عشرات الآلاف من المدنيين في منطقة المدينة القديمة بمدينة الموصل شمالي العراق، حصارا خانقا فرضته منذ أشهر حرب ضارية بين القوات العراقية ومسلحي تنظيم داعش الإرهابي يبدو أنها بلغت فصلها الأخير.

وبعد أن نفدت المؤن الغذائية لدى السكان المحاصرين بدأوا بتناول ما تقع أيديهم عليه من حشائش وأوراق أشجار، وصولا إلى الأوراق التي تستخدم للكتابة وقماش الملابس ولحم القطط لسد آلام الجوع الذي يفتك بأجساد الأطفال وكبار السن في المدينة ذات الأغلبية السُنية.

صارت حياة السكان عرضة للخطر أكثر من أي وقت مضى، مع بدء القوات العراقية هجوما واسعا لاستعادة المدينة القديمة من قبضة داعش، الذي يسيطر أيضا على أجزاء من حي الشفاء إلى الشمال من تلك المنطقة، وهما آخر معقلين للتنظيم في الموصل، التي كان يسيطر عليها كاملة منذ يونيو 2014.

ويتحدث أبوجواد وهو من سكان منطقة الشهوان، إحدى المناطق المحاذية لنهر دجلة في الموصل القديمة، عن هذا الوضع قائلا إن “الغذاء، الذي تم تخزينه استعدادا للحرب، نفد قبل أكثر من شهرين، ثم نفدت أوراق الشجر، وبات الناس يعتمدون في سد جوعهم على الأوراق التي تستخدم للكتابة”.

وأضاف أبوجواد، البالغ من العمر 53 عاما، “أضطر يوميا إلى تجميع أوراق الدفاتر والسجلات التي أمتلكها ثم أمزقها إلى قطع صغيرة جدا ليسهل على الأطفال والنساء تناولها. هذه الأوراق تساعدنا على إيقاف ألم الجوع، الذي يفتك بنا ويعذبنا ليل نهار. ونتناول الأوراق مرة واحدة خلال اليوم حتى لا نتعرض للتسمم”. وأوضح أن “هذا الواقع ألقى بظلاله السلبية على الأطفال والنساء وكبار السن وحتى الرجال، فالأطفال نحلت أجسادهم وصفرت وجوههم، وباتوا لا يقوون على الحركة، والنساء والرجال أصبحوا كالهياكل العظمية المتحركة، لفقدانهم الكثير من الوزن؛ بسبب سوء التغذية، وكبار السن يعانون الأمرّين من الجوع والمرض”.

لم يتوقف أبوجواد ولو للحظة عن البكاء، مشددا على أن “جميع أطراف النزاع لا تحترم حياة المدنيين؛ فالتنظيم يقتل عشوائيا، والقوات البرية العراقية تقصف عشوائيا، والطائرات الحربية تنفذ أغلب غاراتها دون مبالاة بالخسائر بين مدنيين لا حول لهم ولا قوة في كل ما يجري سوى أن قدرهم حتم عليهم أن يكونوا شاهدين لا أكثر على هذه الحرب الشعواء”.

الجميع على مشارف الموت ومن يملك ورق الكتابة أصبح الآن أشد حرصا عليه لسد جوع أطفاله وكبار السن في العائلة

وفي قصة أخرى، تروي أم علي مأساة حقيقية تعيشها وهي ترى يوميا أطفالها يصارعون ألم الجوع في منزلهم الصغير بمنطقة المكاوي في المدينة القديمة من الموصل، مركز محافظة نينوى.

وقالت الأم العراقية المكلومة “ابني الصغير محمد، البالغ من العمر ثمانية أعوام وابنتي مريم تسعة أعوام وكوثر 11 عاما، يعانون جميعا من جفاف حاد، وهم على وشك الموت جراء سوء التغذية. وقد توقفوا عن البكاء والصراخ، منذ فترة طويلة، حيث تعودوا على ألم الجوع والعطش”. وأضافت “ابني علي البالغ من العمر 14 عاما وابنتي سميرة، ابنة السادسة عشر ربيعا، ووالدهم (المعاق بسبب إصابته بشظية ناجمة عن غارة جوية استهدفت موقعا لداعش بالموصل مطلع 2016) يصارعون ألم الجوع بصمت، فتارة يتغلبون عليه، وتارات أخرى يتغلب هو عليهم فيسقطهم أرضا”.

وشددت أم علي على أن “الجميع على مشارف الموت، والطرق على أبواب المنازل والتوسل والبكاء للحصول على كسرة خبز أو حتى ورق الكتابة لا ينفع، فمن يملك ورق الكتابة أصبح الآن أشد حرصا عليه لسد جوعه”.

وبألم شديد تابعت “أضطر صباح كل يوم إلى إطعام جميع أفراد أسرتي من أقمشة الستائر والملابس، بعد تقطيعها إلى قطع صغيرة جدا. ويتم هذا بنسبة قليلة جدا ولمرة واحدة في اليوم، ليبقوا محافظين على حياتهم بانتظار أيهما أسرع: التحرير أو الموت”.

مجيد الغازي، وهو أحد صائدي القطط في الموصل القديمة، يتحدث عن حياته في ظل هذا الوضع قائلا “عملت خلال حصار الموصل القديمة أعمالا كثيرة، بداية من طحن الحنطة وبيعها، وبعد نفادها، قمت بجمع أغصان أشجار وأوراقها وبيعها، وإثر نفادها هي الأخرى، أصبحت أصطاد القطط وأوزع لحمها مجانا لتناوله نيئا”.

وتابع الغازي “يوجد الكثير ممن يصطادون القطط في المناطق الأخرى، ويبيعون الكيلو غرام الواحد من لحمها بـ40 ألف دينار (حوالي 34 دولارا أميركيا).

وشدد على أن “الوضع كل يوم يكون أسوأ من الذي قبله، وأي تأخر في عمليات استعادة الموصل قد يؤدي إلى كارثة إنسانية لا تحمد عقباها”.

ووفق أحدث تقدير لمنظمة الأمم، صدر الأسبوع الماضي، فإن أكثر من 100 ألف مدني عراقي محتجزون لدى مسلحي داعش وسط الموصل القديمة، وهم بمثابة دروع بشرية.

وتتكون المدينة القديمة من 53 محلة صغيرة، على مساحة ثلاثة كيلومترات مربعة، ويرجع تاريخ بنائها إلى عشرينات القرن الماضي، وتمتاز بمنازلها الصغيرة المتهالكة، وتشعب شوارعها الضيقة التي لا تسمح بمرور سيارات.

وتصعب هذه العوامل من عملية استعادة السيطرة على المدينة القديمة، ضمن الحملة العسكرية المستمرة منذ 17 أكتوبر الماضي، لاستعادة الموصل من داعش.

قال طبيب أخصائي جراحة عامة، فضل مناداته بكنيته أبي زهير، وقد اقتاده تنظيم داعش معه إلى المنطقة القديمة ليكون أحد المشرفين على علاج جرحاه جراء المعارك “تمكنت حتى الآن من توثيق وفاة 13 مدنيا، بينهم نساء وأطفال جراء انعدام الطعام والماء والدواء”.

وشدد أبوزهير على أن “هناك الكثير من المدنيين على شفا الموت المحتم، في حال استمر الوضع على ما هو عليه لفترة أطول”.

7