القطع بين الماضي والمستقبل فنيا وسياسيا بين رف الكتب

جويل زاسك تتناول في كتابها الجديد "عندما تصبح الساحة عامة" حرص الحكام على تهيئة ساحات عامة تليق بصورتهم، لتجسيد رؤيتهم السياسية وتعزيز سلطتهم.
الأحد 2018/07/29
الصراع ضد تقسيم الوقت يتنزل في صميم الثورات السياسية والفنية الحديثة

يذهب الرأي العام الفكري إلى القول إننا انتهينا من السرديات الكبرى والحداثة الفنية، والحال أننا لسنا واثقين تماما أننا بدأنا التفكير في ما يغطي هذين اللفظين. لفهم ما يدور في حركات التفتح والانقلابات الفنية التي ترافقه، ينبغي أن نضع في الحسبان البعد المضاعف للزمن.

 خلف الصورة البسيطة للخط الممدود بين الماضي والمستقبل، ذلك الذي يحمل الوعود والخيبات، ثمة تراتبية أشكال حياة تفصل بين التي لديها متسع من الوقت والتي ليس لديها. في كتابه الجديد "الأزمنة الحديثة: الفن والزمن والسياسة"، يبين الفيلسوف جاك رانسيير كيف يتنزل الصراع ضد تقسيم الوقت هذا في صميم الثورات السياسية والفنية الحديثة، وكيف يعقّد المظهر البالغ البساطة للقطع بين القديم والجديد. لإقامة الدليل على نظريته استعان رانسيير بفيلسوف يؤمن بالعلو والتسامي، وبعاملين في حظائر البناء، وثلاثة سينمائيين وبعض الراقصات لبناء مشهدية عن ذلك القطع. 

ساحات السلطة أم ساحات عامة

فهم ما يدور في حركات التفتح والانقلابات الفنية
فهم ما يدور في حركات التفتح والانقلابات الفنية

على مر الأزمنة، حرص الحكام، من يوليوس قيصر ولويس الرابع عشر ونابليون الثالث إلى إسماعيل باشا وهتلر وستالين، على تهيئة ساحات عامة تليق بصورتهم، فهي فضاءات جعلت كي تجسد رؤيتهم السياسية وتعزيز سلطتهم. فتركوا لنا ميادين ملكية، امبراطورية، قومية، فاشية لا تزال حتى يومنا هذا قائمة في المدن والقرى.

ذلك ما تتناوله أستاذة الفلسفة السياسية جويل زاسك في كتابها الجديد "عندما تصبح الساحة عامة"، وتتساءل: إذا كانت تلك غاية الحكام السابقين الذين لا يعترفون إلا بشخصهم لا يأتمرون إلا بما يمليه عليه فكرهم، فما موقف الحكام في الديمقراطيات الغربية اليوم؟ هل سيطالبون هم أيضا بميادين تليق بمُثلهم وتروج لأنماط عيشهم؟ والجواب في رأيها بالنفي، مع استثناءات قليلة.

الطريف أن هذا السؤال لم يسبق طرحه حتى في أثينا. فمن يأتي الخلل؟ وما طبيعة اللاوعي السياسي الذي يجعلنا لا نبصره؟ وأي ميادين في ظل الديمقراطية؟ 

مديح النزعة المحافظة

لئن كانت النزعة المحافظة طريقة مخصوصة في الوجود، و"مزاجا" يطالب بنصيبه في شتى أنشطة البشر والفنون والموسيقى والآداب والعلوم والدين، والسياسة بطبيعة الحال، فإن الفلسفة السياسية التي استمدت منها اسمها تولدت عن ثورات ثلاث: الثورة الإنكليزية المجيدة عام 1688، والثورة الأمريكية التي اكتملت عام 1783، والثورة الفرنسية عام 1789.

تاريخ هذا التيار الفكري المنبوذ والمجهول هو ما يقترحه الكاتب والفيلسوف الإنكليزي روجر سكروتن عضو الأكاديمية البريطانية والأستاذ المحاضر بجامعات أوكسفورد وبوسطن وواشنطن، ويعترض على صورة المحافظ النوستالجي، الرجعي الذي يتبدى فكره دائما في حالة حداد، كما يتبدى ذهنه منصرفا بغير انقطاع نحو الماضي، بل يمتدح هذا التيار ليؤكد مدى ما يحويه تراثه من ثراء متعدد الأوجه، اكتسب حقه في الحضور منذ القرن السابع عشر، وأغنى فكر فلاسفة كثر.   

11