القطن المصري يرزح تحت وطأة تضارب القرارات الحكومية

الأربعاء 2015/08/12
عدم معالجة المشاكل لعشرات السنين أدى إلى تدهور أصالة القطن المصري

انتشرت حالة الغضب بين مزارعي القطن المصري بسبب تضارب القرارات الحكومية. فبعد أن أصدرت وزارة الزراعة قرارا بمنع تصدير القطن لمساعدة المزارعين المحليين، اعترض مجلس الوزراء فجأة وقام بإلغاء القرار.

ويمثل مثل هذا التضارب في صنع القرار نموذجا لمشاكل أوسع في رسم السياسات تؤثر على مصر التي تكافح لتنشيط اقتصادها وجذب استثمارات خارجية بعد سنوات من الاضطراب منذ عام 2011.

وفرض السيسي بعض الإصلاحات القاسية مثل تقليص دعم الوقود وحصل بذلك على ثناء صندوق النقد الدولي. لكنه ركز جانبا كبيرا من سياساته الاقتصادية على مشروعات ضخمة مثل حفر قناة جديدة لتوسيع قناة السويس ومشروع إقامة عاصمة جديدة.

وفي مثال آخر تراجعت الحكومة عن خطط لبدء تحصيل ضريبة على أرباح تعاملات البورصة في مايو. كما أرجأت تطبيق العمل ببطاقات الوقود، ولم تحدد حتى الآن موعدا لبدء العمل بضريبة القيمة المضافة.

ويمثل القطن المشكلة تمثيلا جيدا. ففي يوليو اتخذت وزارة الزراعة قرارا بمنع استيراد القطن لحماية الإنتاج المحلي وإعادة تأهيل مصانع الغزل والنسيج. وقالت إنها تحاول استعادة المجد السابق للقطن المصري.

وبعد ثمانية أيام ألغى مجلس الوزراء القرار دون أن يذكر سببا باستثناء القول إن ذلك يأتي في إطار تطوير زراعة القطن ودعم المزارعين.

وألقى التراجع بظلال الشك على التزام الحكومة بتنشيط القطاع الذي كان قبل عقود من أفضل سلع التصدير المصرية، ومازال يمثل جانبا كبيرا من القطن الفاخر المستخدم في حياكة الأقمشة الفاخرة في العالم.

وقال وليام جاكسون من كابيتال ايكونوميكس إن سياسة القطن “تزيد الإحساس العام بأن عملية رسم السياسات في مصر لا تخضع فيما يبدو لقدر كبير من التحليل قبل التنفيذ”. وأضاف أن التخبط في رسم السياسات يجعل من الصعب على المستثمرين وضع خطط مستقبلية.

ويوم الاثنين قال مكتب رئيس الوزراء إن المجلس الأعلى للقطن سيعمل على تنسيق سياسات القطن آخذا الطلب على القطن في الخارج وفي السوق المحلية في الاعتبار.

وأدى تحرير قطاع القطن المصري في عام 1994 لتعرض المزارعين المصريين لتقلبات الأسعار العالمية وارتفاع أسعار الأسمدة. وانخفضت المساحات المزروعة بالقطن بشدة من المستويات المرتفعة التي بلغتها في الستينات عندما كانت مصر تزرع 2.2 مليون فدان بفضل الأسعار الثابتة التي كانت الدولة تفرضها.

وقبل ربع قرن كانت مصر تنتج نحو 2.4 مليون بالة (545 ألف طن) من القطن، لكن وزارة الزراعة الأميركية تتوقع أن يبلغ حجم محصول الموسم الحالي 340 ألف بالة فقط.

وتضرر قطاع القطن المصري من جراء منافسة الأميركي عالي الجودة. كما اتجه المزارعون إلى محاصيل ذات عوائد أعلى وتحولت شركات المنسوجات المحلية لتصنيع منتجات ذات جودة منخفضة بقطن مستورد من الخارج بأسعار رخيصة.

ويرى جمال صيام الأكاديمي بجامعة القاهرة أن إنتاج القطن وتصنيعه يشغل نحو نصف مليون عامل، وهو من أكبر قطاعات فرص العمل في مصر التي يقترب عدد سكانها من 90 مليونا وتبلغ معدلات الفقر فيها نحو 40 بالمئة.

وتساءل صيام الذي يملك مزرعة خاصة، عن الحكمة من وراء فرض حظر الصادرات. وقال لرويترز إن “الفكرة الأصلية في غاية السوء”.

وأضاف أنها أفزعت شركات النسيج المحلية، لأن المحالج المصرية تستهلك ضعف ما ينتجه المزارعون المحليون من القطن.

وقال صيام إن أكبر خطر هو ضعف إنتاجية المزارع المصرية التي لم يعالجها حظر الاستيراد، وأن نقص الاستثمار الحكومي في أبحاث تحسين محصول القطن أضر بالإنتاجية.

وأدى الإهمال في معالجة المشاكل لعشرات السنين إلى اختلاط السلالات وتدهور أصالة القطن المصري.

لكن مسؤولين يشيرون إلى تحسينات تحققت في الآونة الأخيرة. ويؤكدون أنه لم يعد يسمح بزراعة القطن في بعض المناطق وذلك من أجل تجنب اختلاط السلالات.

في حين يرى مراقبون أن الطريق صعب بسبب انخفاض الأسعار وإلغاء الدعم. ويقول صيام “يبدو أن الحكومة مستعدة للتخلي عن القطن المصري”.

11