القطيعة مع الإخوان ومع يوليو أيضا

السبت 2014/05/24

أيام معدودات تفصلنا عن انتخابات مصر، ولو كنت مصريا لاقترعت بورقة بيضاء مع احترامي لمرشحي الرئاسة: المشير عبدالفتاح السيسي والسياسي حمدين صباحي. الورقة البيضاء تستند إلى ثورتي 25 يناير و30 يونيو. انتفضت الثورة الأولى على الاستبداد الزمني، وانتفضت الثانية على الاستبداد الديني المغلف بالفشل وبالفوضى، وكنت أتوقع أن تعكس انتخابات الرئاسة ثمار انتفاضتين، فنرى عددا أكبر من المرشحين المدنيين، ونرى برامج أقرب إلى مضمون الثورتين، إضافة إلى أن الفترة الانتقالية بعد 30 يونيو حملت مشهدا تائها بين فريقين، أحدهما لا يعرف كيف يتقدم إلى الأمام، والآخر يريد التقهقر بحلم الدولة الأمنية.

كدت أصل إلى قناعة أن أغلب العاملين في حملة المشير السيسي من المتآمرين عليه لا الداعمين له، واللقاءات الإعلامية التي أجراها في بعض الشاشات المصرية عكست أزمة الإعلام المصري أكثر مما قدمت المرشح ورؤيته الانتخابية. المشكلة الأساسية في حملة السيسي تمثلت في صياغة رؤيته بركاكة، حديثه الشفهي تفوق على النص المكتوب في موقعه الإلكتروني مع غموض الصيغتين، كما أنه لم يقدم تطمينات حقيقية بخصوص الديمقراطية والحريات. لا أحد يختلف مع السيسي حول أولوية الأمن والاقتصاد، لكنه لم يشرح بوضوح كيف سيمول “رؤيته” الاقتصادية، ولم يؤكد للناخبين غياب التناقض بين الأمن وبين الحريات والديمقراطية. التصادم بين منطق الثورة ومنطق الدولة لا مفر من حصوله، المهم أن لا يؤدي ذلك إلى استعادة المربع الأول.

برنامج صباحي كان أقرب إلى الإنشاء وخاليا من الألمعية، لم يقدم رؤية واضحة بخصوص تعامله مع الدولة العميقة التي تستطيع أن ترفعه أو تنهيه، مصادر تمويله لأفكاره الاقتصادية غير مقنعة، تصوراته للسياسة الخارجية لا تطمئن أصدقاء مصر وتعتمد مثالية لا مكان لها في الواقع، لكن برنامجه تميز برؤيته للحريات والديمقراطية واعتماد اللامركزية الإدارية. كان ملفتا أن يزين المرشح “المدني” موقعه الإلكتروني بالآية القرآنية “وما النصر إلا من عند الله!”.

كلا المرشحين يستحضران سلفية ما لتبرير شرعية الترشح القائم والانتصار المأمول، الانتماء الناصري لصباحي واضح، والسيسي استحضر- أيضا- عبدالناصر منذ التحق بثورة 30 يونيو الشعبية. ما أتمنى أن يدركه المرشحان، أن نجاح الرئيس المقبل يكمن في التحرر من السلفيات التي تثقل الدولة المصرية. اتفق المرشحان على القطيعة مع العصر الإخواني، أي رفض الاستبداد الديني وإهمال القيمة الوطنية، وهذا ضروري، لكنه ليس كافيا. المطلوب- أيضا- القطيعة مع ثورة يوليو. كان حريا بالذين رفعوا صورة جمال عبدالناصر في ثورة 25 يناير أن يسألوا أنفسهم: هل ثورتنا تستهدف حكم مبارك أم نظام 23 يوليو؟ دعونا نتأمل معا. أولى أسباب ثورة 25 يناير تجسدت في توحش وزارة الداخلية وتموضعها فوق القانون. هل استحدث مبارك ذلك؟ لقد ورثه من دولة يوليو التي أسسها عبدالناصر.

ثاني أسباب ثورة يناير تمثل في مشروع التوريث لجمال مبارك، هل غيّب مبارك آليات العمل الديمقراطي التي تؤمن محاسبة الحاكم وتداول السلطة؟ لقد ورث دولة الحزب الواحد من نظام يوليو، ويحسب له إلغاء الاستفتاء للانتخابات وإتاحة هامش للصحافة وصل شخصه وعائلته. المظهر الشكلي الأفضل لمبارك من أسلافه يعود إلى الفرق بين المعادلتين: معادلة يوليو: “قل ما أريد لا ما تريد وأنا سأفعل ما أريد”، في حين معادلة مبارك هي معادلة ملك بروسيا (فريدريك الكبير): “قل ما تريد، وأنا سأفعل ما أريد”.

سياسة مبارك الخارجية من الأسباب الثانوية لتراكم النقمة على نظامه، لكن القدر يأبى إلا أن ينصف الرئيس الأسبق. حمدين صباحي في برنامجه أغفل الإشارة إلى اتفاقية كامب ديفيد (الموروثة من الرئيس السادات في خروج ألمعي عن خطاب يوليو) وزعم بأنه سيقاطع إسرائيل حتى تعيد حقوق الفلسطينيين دون أن يقول كيف، والطريف أن السيسي بدا أكثر تقدمية وواقعية وهو يتحدث عن التفكير في تعديل الاتفاقية. أما ملف غزة، فقد أصبحت حماس تنظيما ملعونا عند المصريين، وأعلن الحكم الانتقالي تدمير أغلب الأنفاق بين مصر والقطاع. مخابرات عمر سليمان كانت تعرف تفاصيل كل نفق، لكن مبارك اعتبرها متنفسا لسياسة العصا من المنتصف: إغلاق معبر رفح مقابل السماح بالأنفاق. صرح مبارك في ألمعية لم يفهمها العرب إلى اليوم: “إسرائيل تستفيد من عدم فهم قضية غزة في صرف النظر عن القضية الفلسطينية”. بعض المؤدلجين كانوا يلومون مبارك على خصومة إيران، والسيسي يصرح اليوم “علاقتنا بإيران تمر عبر أمن الخليج”.

السيسي رمز القطيعة مع عصر الإخوان، لا يحدثنا عن وضع حزب النور السلفي في دستور يحظر الأحزاب الدينية. وهو عاجز مع صباحي عن التحرر من سلفية ناصرية أثقلت مصر بدولة ريعية إنفاقها يتجاوز دخلها بسبب الدعم، وبسبب قطاع عام مترهل ينتسب إليه ملايين الموظفين لا تحتاجهم الدولة. المرشحان يعاديان الخصخصة ويحملان تصورا باليا لدولة ثقيلة، بدلا من الدولة العصرية. لم يهتم المرشحان أيضا بهواجس الأقباط لصالح المواطنة.

إذا لم تنجح مصر في القطيعة مع عصر الإخوان ومع ثورة يوليو رفضا للاستبداد الديني ونقضا للدولة الأبوية والأمنية، وإذا لم تنجح في تقديم نموذج منصف للعدالة الانتقالية يستهدف الإرهابيين والفاسدين بلا “مكارثية”، فلا أستبعد ثورة ثالثة. لتكن القطيعة مع الوراء، ولنقفز إلى اليوم كي نستطيع التفكير في المستقبل. ولنتذكر بأن الديمقراطية هي حكم الأغلبية- لا تسلطها- في ظل حق المعارضة وضمان المبادرة الفردية.


صحافي سعودي

9