القط وخَنّاقه

النفس البشرية عندما تستجيب للصدمة تعتبرها قدراً، فترتاح كثيراً لدور الضحية، وهذا يجعلها لا تفكر في إضعاف خصمها، أو في مساعدة من يواجهونه.
الأحد 2020/12/06
"متلازمة ستوكهولم".. ظاهرة مَرَضية استوجبت التحليل والمعالجة

لا أعلم إن كانت “متلازمة ستوكهولم” أو “ستوكهولم سندروم” قد مرت على دارسي علم النفس في بلادنا، أم أن المناهج تغاضت عنها، بعد 47 سنة من إدخالها إلى قواميس المادة. فهذه متلازمة ترمز إلى المجاميع البشرية التي تعيش حياتها معجبة بمن يضطهدونها ويُضيقون عليها الخناق، ويسلبونها حريتها، ويعاملونها بتعالٍ واستهتار. فتلك ظاهرة مَرَضية استوجبت التحليل والمعالجة، إذ كيف يحظى الظالم بموالاة ضحاياه؟ ومن أين تنشأ مثل هذه المشاعر الخاطئة؟

كان سبب الزج باسم ستوكهولم في تسمية هذه الظاهرة الخضوعية الدونية أن المدينة شهدت في العام 1973 حادثة اقتحام مجموعة من اللصوص الأشقياء أحد فروع بنك الاعتماد (كريديت بانكن)، واحتجاز ثلاث نساء ورجل من الموظفين، وطلب قائد المجموعة، فضلاً عن الفرار بالمال المسروق، الإفراج عن صديق له في السجن. استمرت المفاوضات مع الشرطة ستة أيام بينما الرهائن تحت تهديد السلاح. وخلال تلك المدة، حدث شيء عجيب، أثار اهتمام علماء النفس والجريمة، إذ كيف يتعاطف المحتجزون مع الذين يحتجزونهم، ثم يمحّضونهم الوداد!

ربما يكون التراث العربي، في أحد أمثلته العامية، قد سبق علماء النفس، عندما قيل في وصف حالات مرضيّة بأن القط يُحب خَنّاقه!

عند إطلاق الرهائن في ستكهولهم، وصل إعجاب الرهائن بالخاطفين إلى حافة الحب، وامتنعت النسوة الثلاث ومعهم الرجل، عن الشهادة ضد الخاطفين، علما بأن محنة الأيام الستة لم تكن تحتاج إلى شهادة منهم. فقد حاولت الشرطة تذكير الضحايا بآلامهم، لكنهم لم يرغبوا في استذكار شيء يستفزهم ضد أحبابهم الجدد. فما جرى كان عسلاً على قلوبهم، لذلك هبّوا للدفاع عن الجُناة وجمع التبرعات لهم!

شرطة ستوكهولم طلبت من العالم النفسي نيلس بيجيروت مساعدتها على فهم ردود أفعال المخطوفين، فاحتار الرجل وشرّق وغرّب. قال ابتداءً، إن النفس البشرية عندما تستجيب للصدمة تعتبرها قدراً، فترتاح كثيراً لدور الضحية، وهذا يجعلها لا تفكر في إضعاف خصمها، أو في مساعدة من يواجهونه. ثم إن الإنسان، بسليقته منذ الطفولة البشرية، يعرف أن محاولة وقف استبداد المستبد، يزيده شراسة فيستوحش، وليس أوجب، عندئذ، من الوداد!

ظلت كل التحليلات عاجزة عن التفسير، وكان أطرفها ما قاله اللص نفسه في مقابلة إذاعية “اللعنة على الرهائن الذين لا زالوا يساعدوننا حتى الآن. كنا نستفزهم لكي يفعلوا شيئاً يُصعّب مهمتنا. لكنهم جبناء، فعلوا كل شيء طلبناه منهم والتزموا السكينة، وجعلوا القتل صعباً، وهذا الذي يجعلنا الآن على قيد الحياة، ويمكن أن نكرر فعلتنا”. وأردف “عشنا معًا يومًا بيوم، مثل الماعز في حظائرها القذرة. لم يكن هناك شيء نفعله، سوى التعرف على بعضنا البعض ونتسامر”!

24
مقالات ذات صلة