"القفة" البيولوجية باهظة الثمن وشروط إنتاجها صارمة

أكثر من 600 ألف هكتار من الأراضي المزروعة بالمنتوجات البيولوجية في المغرب، والحكومة تضع القوانين والشروط لتنظيم عملية إنتاج الزراعة العضوية.
الثلاثاء 2018/07/17
خضر صحية خالية من المواد السامة

وجدة (المغرب) - عندما فكر نجيب بشيري، الفلاح الستيني، في اقتحام عالم الزراعة البيولوجية بسهل بركان شرقي المغرب، كان يدرك أن طريقه لن يكون مفروشا بالورود، خاصة أمام الاستهلاك المطّرد للمواد التقليدية التي يعتمد الفلاحون والمنتجون عموما في إنتاجها على الأسمدة الكيميائية والمبيدات.

اليوم تمكن بشيري الذي ساعده تكوينه العلمي، ونشاطه البيئي، في إحدى جمعيات الحفاظ على البيئة بمحافظة بركان، من فتح محل تجاري متخصص في بيع المواد البيولوجية (أورغانيك) بمساعدة 17 فلاحا يعرضون جميعا منتجاتهم بشكل مشترك.

ورغم أن المساحات المزروعة وفق هذا النظام الزراعي، غير معروفة بشكل دقيق، إلا أن بعض الأرقام تشير إلى وجود أكثر من 600 ألف هكتار (الهكتار 10 آلاف متر مربع)، من الأراضي المزروعة بالمنتوجات البيولوجية في المغرب، بعدما كانت في وقت سابق لا تتجاوز 13 ألف هكتار. والزراعة البيولوجية هي تلك التي يستخدم فيها السماد العضوي، ولا تستخدم فيها أي من أنواع المبيدات الحشرية الكيميائية أو الأسمدة الكيميائية المضرة بصحة الإنسان أو البيئة، وهي بمثابة نظام بيئي طبيعي يتم من خلاله الحصول على إنتاج نباتي متنوع وصحي يمتاز بجودة عالية، ويساهم في سلامة النظام البيئي وحمايته.

يحوي المحل الذي فتحه المزارع المغربي، بمعية زملائه في القطاع، كل ما يشكل أساسيات “القفة” أو السلة الغذائية المغربية، من طماطم وجزر وجلبان (بازلاء) وباذنجان، وغيرها من الخضر والفاكهة، بالإضافة إلى البيض والزيوت، وحتى اللحوم البيضاء من أرانب ودجاج، أنتجت على الطريقة التقليدية التي كان يعمل بها الأجداد قبل عقود.

لكن أسعار هذه المواد مرتفعة، مقارنة مع المواد التي أنتجت بطريقة تقليدية، ويعزو بشيري ذلك إلى أن المواد الطبيعية المستخدمة في الإنتاج عالية التكلفة، ومن ذلك روث الحيوانات والأدوية الطبيعية التي تستخدم، والتي يتم تركيبها من مواد طبيعية لمواجهة بعض الطفيليات التي يمكن أن تضر بالمزروعات.

ما يرفع السعر أيضا، هو الإنتاج الضعيف مقارنة بالإنتاج التقليدي عبر الأسمدة والمبيدات، إذ يصل إنتاج الزراعة العضوية نحو 50 بالمئة فقط من إنتاج الزراعة التقليدية، وهو سبب كاف يجبر الفلاح الذي خاض غمار هذه الزراعة على رفع أسعار منتجاته.

ومع أن معدل الإنتاج بالنمط البيولوجي أقل مقارنة بالأساليب التقليدية، إلا أن السر يكمن في الجودة، وهو ما يؤكده المهندس الزراعي، محمد بنعطا، الذي قضى عقودا في مجال الاستشارة الفلاحية، بقوله إن المنتجات البيولوجية تتميز بالجودة العالية.

المواد الطبيعية المستخدمة عالية التكلفة
المواد الطبيعية المستخدمة عالية التكلفة

المهندس بنعطا، يستخدم شخصيا هذا النوع من المنتجات وينصح بها معارفه رغم ارتفاع ثمنها، لكونها -كما يقول- صحية، وخالية من المواد السامة والمواد الكيميائية التي يمكن أن تؤدي إلى مضاعفات صحية بالنسبة إلى المستهلك
مع مرور الوقت، بل يقر بأن استعمال المبيدات والمواد الكيميائية الأخرى في إنتاج المواد الاستهلاكية، يضر بالتنوع الإيكولوجي (البيئي) وأيضا بمخزون المياه الجوفية.

لكن ، كغيره من العاملين في هذا القطاع ورغم التطور الحاصل فيه، يرى بنعطا أن الرفع في الإنتاج بهذا النمط الزراعي، يتطلب جهدا كبيرا من الدولة، وهو بالأساس جهد يرتكز في جانب منه على التوعية بأهمية هذه الزراعة.

وكان المغرب في فبراير 2013 وأمام تزايد الإقبال على  هذا النمط الزراعي، قد أصدر قانونا خاصا، ينظم عملية الإنتاج البيولوجي للمنتجات الفلاحية والمائية. ووضع القانون شروطا يمكن أن توصف بالصارمة على المنتجات البيولوجية، إذ تتضمن المادة السابعة منه، شروطا على المنتجين ومطالبتهم بتخصيص أراض لهذه المنتجات، يلتزمون بأن تكون بمعزل عن الأراضي التي تنتج المزروعات غير البيولوجية.

كما يجب على المنتجين تعريف المنتجات البيولوجية في كل مراحل تهيئتها وذلك لتفادي خلطها بالمنتجات غير البيولوجية، أو تلويثها بمواد غير مرخص باستعمالها في نمط الإنتاج البيولوجي.

ولهذا الغرض يجب على المنتج بهذا النمط، الاحتفاظ بسجلات تمكنه من التعريف بالمنتجات وتحوي تسجيلا لجميع العمليات التي ينجزها.

كذلك ووفق المزارع بشيري يتعين على المزارعين الحصول على ما يثبت أن منتجاتهم مطابقة للمعايير الدولية في هذا المجال، لإتاحة إمكانية التصدير، وذلك عبر مكاتب متخصصة.

وإذا كان بشيري قد تمكن من فتح محل لتسويق منتجاته مع وزملائه، فإن آخرين يسوقون منتجاتهم في الأسواق المعتادة، وبالنظر إلى أن الثقافة السائدة بين العامة التي لا تميز كثيرا بين المنتجات التي تنتج وفق الطريقة البيولوجية والطريقة العادية، فإن هذه المنتجات تفقد الكثير من قيمتها في الأسواق العادية.

20