القفز على الفكرة الاستهلاكية في المجتمعات الخليجية

الأربعاء 2015/06/24

قضية التنمية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من القضايا ذات الأهمية القصوى، وذلك لأن المستقبل يرتكز على معطيات دافعة لعجلة النمو، ما يعزز الدور المحوري للتنمية بكل مفاهيمها الشاملة والمستدامة، للموارد البشرية أو الطبيعية، وهي العملية التي ينبغي أن تمضي باتزان بين هذه الموارد، خاصة في ما يتعلق بتنمية الموارد البشرية، لأن الإنسان هو الأهم وموضوع أي حراك استراتيجي للدول.

الحديث عن التنمية يقودنا إلى السوق الخليجية المشتركة، وهو الهدف الاستراتيجي الذي لا نجده متحققا بالنسبة المثالية الطموحة، فهذه السوق حجمها البشري 47 مليون نسمة، بناتج إجمالي بلغ نحو 1.6 تـريليون دولار وتجـارة خارجية تبلغ نحو 1.4 تريليون دولار، وهذه إحصائيات موثقة من المؤسسات التنموية الخليجية وتكشف عن أرقام ضخمة تهيّئ لاستيعاب معطيات بذات الضخامة، فليست التنمية مشروعات خدمية للرفاهية وحسب، وإنما بناء الإنسان وجعله أكثر إنتاجية وتطورا.

هناك تحديات، ولا شك، في تأهيل وتطوير قدرات الموارد البشرية الخليجية، ولكن في نفس الوقت يمكن تجاوزها من خلال رفع الروح الإنتاجية والإبداعية في العمليات المختلفة، فنحن في الواقع مجتمعات استهلاكية تحتاج إلى الارتقاء بمقوماتها وقدراتها لتواكب فكرة بناء وصناعة المستقبل بصورة أكثر ذاتية تعتمد فيها على نفسها بصورة أكبر من الواقع الحالي، فهناك الأسس اللازمة لنهضة وتطور الشعوب، والدول في حاجة إلى استكشاف وتحفيز وحث.

أفضل مستقبل هـو الذي نصنعه بأنفسنا، تجربة دول النمور الآسيوية واليابان تؤكد فكرة البناء الذاتي من اللاشيء، اعتمادا على التعليم والتعلم والإرادة الوطنية في النهوض والتطور، فكيف بنا ونحن نملك قواعد تنموية وطبيعية تساعدنا على النمو وتغيير الواقع إلى الأفضل؟

وأعتقد أن هناك ما هو أفضل من واقع الرفاهية الذي نعيشه، فالمسألة نسبة وتناسب، هناك الأفضل بكل تأكيد حينما نستشعر ونتذوق حلاوة الإنجاز الذاتي في البناء والتنمية، ذلك أعلى مستويات الرفاهية والتقدم.

يمكننا أن نبدأ مسيرة وطفرة تنموية تبدأ من صناعة إبرة الخياطة إلى الصواريخ، ذلك يحتاج إلى عقل مفكر ومبدع ومنتج، بعيدا عن الاسترخاء العقلي والاجتماعي الذي نعيشه. وطالما هناك مؤسسات تعليمية وعلمية على أفضل المستويات، فليس مستحيلا أن نبدأ مشوارا لتخريج أجيال من العلماء والمبدعين والمخترعين، لنتخيل ذلك الشعور الرائع حينما يبتكر ناشئ أي مخترع جديد أو يحاول ذلك، توماس أديسون لم يخترع المصباح الكهربائي من أول محاولة وإنما استغرق ذلك نحو مئتي محاولة حتى نجح.

من الضروري أن تواصل دول الخليج تطوير الموارد البشرية، وتمنحها مزيدا من الثقة لصناعة المستقبل، وتحويل الفكر العملي إلى الإنتاج وليس العمل الوظيفي الذي يوفر دخلا مميزا واستحقاقات عملية تسهم في مزيد من السلوك الاستهلاكي دونما محاولة استكشاف الذات وطاقتها وقدراتها الكامنة، وكل عملية تنموية واقتصادية وإنتاجية تواجهها تحديات يمكن تجاوزها بقوة إرادة وعزيمة، ومع توفر المعطيات اللازمة لذلك، اعتقد أننا يمكن أن نتحول إلى قوة إنتاجية تجعل فكرة السوق الخليجية من الماضي.

التاريخ لن يتوقف عند ثباتنا على رخاء شعوبنا، وإنما من المهم أن ننظر بعيدا في المستقبل ونوظف المتاح لدينا، وذلك يعني تهيئة مستمرة للموارد البشرية وتوجيهها علميا نحو الطموحات التي نأمل أن نصل إليها، ولكن في ظل حالة السبات التنموي للإنسان لا يمكن أن نؤسس لمستقبل يواكب تطلعاتنا أو نصل إلى مرحلة تغيير إيجابي، وربما تمر بجوارنا شعوب تستكشف قدراتها وتسبقنا، فيما نبقى مجتمعات استهلاكية لم تنجح في اختبار التنمية والاستغلال المثالي لمواردنا الطبيعية وتوظيفها لتطوير مواردنا البشرية، تلك حالة خمول لا تصنع مستقبلا وإنما تضيعه.

كاتبة سعودية

8