القفز على موائد الآخرين!

الثلاثاء 2013/12/03

فجأة، ومن دون مقدمات أو سابق معرفة، يخرج إليك أحدهم بنصيحة مجانية لم تطلبها منه.. وقبل أن تواتيك الفرصة لرسم ملامح دهشة معتدلة على وجهك، تتوالى سلسلة الإرشادات والتعليمات حتى تخرج الأمور عن نطاقها، فتتحول النصيحة إلى واجب والواجب إلى إلزام والإلزام إلى وعيد. هذا الكائن الغريب، قد تلتقيه مصادفة وأنت في طريقك، مرغما، لتأدية واجب اجتماعي ثقيل الظل أو ربما تصادفه في مجلس عزاء لقريب لك من الدرجة العاشرة.

النصائح التي يطلقها هذا الغريب في وجهك، تخفق في التوفيق بين شروط الزمان والمكان والمناسبة والمبرر أيضا. وهي تبدأ بتلاوة أحدث العقوبات المبتكرة في مجال علم النفس التربوي الهادفة إلى تأديب الابن الضال، وصولا إلى كيفية تطبيق نظريات الاقتصاد في إدارة أمور المنزل للزوجة غير المدبرة.. ولا بأس من التطرق قليلا إلى المعتقدات الدينية وطقوس العبادة ومحاولة القفز بخفة على وتر الحرام والحلال المشدود، وتذكير (الضحية) بشروط قبول الطاعات وعقوبة مناصبة أولي الأمر العداء. وهذا لا يتم طبعا من دون طرح مجموعة من الأسئلة الشخصية اللازمة لتطبيق النظريات على الواقع.

هل وصل الأمر إلى هذا الحد؟

هذا الشر الاجتماعي يشبه كثيرا سلوك التطفل الذي تتبناه بعض المجهريات، والتي تعتمد خلال مراحل حياتها المختلفة على أكثر من عائل. وتبعا للأصل الروماني للمصطلح، فإن كلمة متطفل تصف "الشخص الذي يأكل من موائد الآخرين دون دعوة"!. وهكذا، فالمفهوم البيولوجي لمصطلح "طفيلي" يقابل ذاك السلوك البشري المقيت، الذي يغذي عقده النفسية بتطفله على الآخرين، مع وجود اختلاف بسيط؛ يكمن في أن وجود الطفيليات في النظام البيئي من شأنه أن يحقق التوازن المطلوب ويمنع انهيار المسلمات.

أما من منظور اجتماعي، فإن فعل التطفل يؤدي إلى انهيار العلاقات بين الناس وبث العداوات، خاصة إذا لم يستمع المتطفل المحترف (نفسه) إلى النصيحة ولم يكن حذرا بصورة كافية وهو يحاول أن يقفز إلى استنتاجات سريعة يكونها عن ضحاياه منذ اللقاء الأول ومن دون سابق معرفة. المفارقة، أن أغلب المتطفلين يفترضون جهل الشخص"، الضحية، بموضوع النصيحة، وهم لذلك ينساقون بدافع الغرور فيتمادون في محاولة لفرض آرائهم الشخصية في بعض الموضوعات التي تمثل خطوطا حمراء عند أصحابها.

فكيف سيكون الحال لو انتفض أحدهم كالطاووس في محفل اجتماعي وأدلى بدلوه في ما يعرف ولا يعرف؟ وماذا يحدث لو تطوع أحد الجاهلين لإسداء نصيحة دينية لمجموعة من الغرباء بداعي الواجب، وتبين بأن أحد الجالسين عالم في أمور الفقه والدين والحلال والحرام، التي اختلطت عند صاحبنا الطفيلي؟

في أحيان كثيرة، تعجز نظريات علم النفس عن الإمساك بالخيوط التي تدلها على مكونات نسيج شخصية معينة.. بسبب طبيعتها المعقدة والمتحولة والمراوغة أيضا، فينجو مثل هؤلاء المتطفلين من ملاحقة مجاهر العلم.. بعد أن يحار أطباء النفس والجسد في تقصي علتهم ووصف العلاج المناسب لها.

ولهذا، فقد استفحل الوباء حتى أصبح كالطفح الجلدي الذي تمكن من جسد المجتمع، فلا هو يقضي على صاحبه ولا هو يرجى منه شفاء!.

21