القفص

الأحد 2015/07/12

لا يمكن أن أنسى الدرس الأول في الطب النفسي حين كنت في السنة الخامسة من دراسة الطب البشري، حين فوجئت –كغيري من الطلاب – بتعريف الصحة، إذ قال لنا الأستاذ في الطب النفسي بأن الصحة لا تعني غياب المرض فقط. وبأنه من الخطأ أن نعتبر أن الإنسان في صحة جيدة لمجرد أنه لا يُعاني من مرض. فالصحة النفسية هي الأساس لنقول إن الإنسان يتمتع بصحة جيدة، الجسد الذي هو مكان حضور الروح –كما يقول جبران خليل جبران– أتذكر ذلك التعريف الرائع للصحة كلما مشيت في شوارع اللاذقية وخاصة أيام الجمعة، وأيام العطل.

أهرب كغيري من المواطنين السوريين إلى الكورنيش الجنوبي حيث نستمد الرحمة الوحيدة المتبقية في اللاذقية وهي رحمة البحر الذي يبلسم تشققات روحنا المتعبة برذاذه المُنعش وزرقته الشافية، وذلك المدى اللامحدود الذي يسمح لنا أن نفرش أحزان أرواحنا على سطحه. بدون أدنى مُبالغة تُصاب بالذهول حين تقصد الكورنيش الجنوبي وغيره من الشوارع خاصة المُطلة على البحر. يوم الجمعة تشعر أنك في يوم الحشر، حيث تتراص الأجساد بانتظار الدينونة، ورغم الأرصفة العريضة جدا في الكورنيش الجنوبي فلا يمكنك أن تتمشى وتستمتع برؤية البحر، لأن حشودا هائلة من النساء والأطفال والشبان تغطي الشارع، كما لو أن الأرصفة مرصوفة بالبشر.

المشهد أشبه بمهرجان جنوني من الإصرار على الحياة، من الإصرار على مجرد البقاء على قيد الحياة كامتياز وحيد للعيش في سوريا، كما لو أن كل مواطن سوري يشعر بالنصر الوحيد المُتبقي لديه أنه لا يزال حيا! لم تصبه شظية من صاروخ أو برميل مُتفجر، ولم ينفجر شريان في دماغه من القهر فيموت. الحشود التي تبدو من بعيد ككتلة واحدة تتحرك ببطء وقد تلاصقت الأجساد والكل يعطي وجهه للبحر، الذي يتحول هواؤه الرطب إلى راحة من حنان تمسح الوجوه المُتعبة، التي شوه ملامحها ألم النزوح وموت الأحبة ودمار البيوت.

المشهد لا يُعطي أي انطباع بالبهجة أو الانشراح أو الفسحة أو التنزه على شاطئ البحر، المشهد الأقرب ليوم الحشر مُفزع، يشبه سربا “من طيور مهاجرة، أو سرب من نحل هج من ألواح الشمع، أو يشبه سربا من النازحين يهيمون على وجوههم يذرعون الآفاق سدى هاربين من جحيم إلى جحيم، يستحيل أن تشعر أن منظر هذه الحشود ومعظمها من النازحين إلى اللاذقية، هو منظر صحي أو طبيعي، تبدو تلك الحشود من مسافة غير بعيدة أشبه بكتله سرطانية عملاقة. لكنه سرطان من نوع خاص، سرطان الروح التي تورمت من القهر والترويع والخسارة والموت والذل، تفوح رائحة الكارثة الممتزجة برائحة البحر، عشرات الآلاف من النساء سارحات قرب بحر اللاذقية وخلفهن عشرات الآلاف من الأطفال، تعكس عيونهم الطفوليه ألم الحرمان، ثيابهم رثة، تفوح منها رائحة الألبسة المستعملة، وأقصى رفاهية يحصلون عليها حين يتمكن والدهم أن يشتري لهم غزل البنات الوردي، أو دمية بلاستيكية من أردأ الأنواع، من بسطات الدمى التي بالكاد تجد لها مكانا” على الرصيف.

أما رفاهية النساء فهي بذر الشمس، “يقززنه” وهن صامتات بعد أن مللن من تكرار مآسيهن، أحيانا أرغم نفسي على اقتحام تلك الكتله البشرية، أحب أن أندمج فيها، أن أشق طريقي بين كتف وكتف، أن أشم رائحة حلب وريفها ورائحة إدلب ودير الزور وقرية سلمى، وأخيرا رائحة غابات كسب التي يستحيل أن أتذكرها إلا وتنهمر دموعي، أشعر كأن شيئا يتمزق وأنا أشق طريقا وسط الحشد من أجساد السوريين النازحين، الذين لم يعد لهم من ملاذ في محطة نزوحهم –حتى اللحظة– سوى البحر. يلازمني الإحساس بالتمزق وأنا أمشي بصعوبة وسط الحشد، وأفكر أن تعريف الصحة لا يعني غياب المرض، وأؤكد أن إحساسي صادق لأن أرواحنا مُمزقة من الألم والقهر.

كيف يمكن وصف تلك الرائحة؟ رائحة البحر ممتزجة مع رائحة المأساة، لا شيء يوحي بالبهجة أو الحياة، هؤلاء لم يخرجوا ليتنزهوا قرب البحر، بل تشعر أنهم كالهاربين من جلدهم وذكرياتهم المثقلة بالدم والدمار والمجازر، والمقابر الجماعية، يمكنك أن تشعر أنهم يملكون الذاكرة ذاتها والألم ذاته، لا أصدق أنهم يتنزهون بل يذرعون الآفاق سدى. يخرجون من بيوت غريبة تأويهم وأولادهم بعد أن نزحوا من أماكن عديدة في سوريا، ربما يقتلهم وجع الحنين لصورهم المعلقة على جدران بيوتهم التي تهدمت، فيهيمون في الشوارع. أينما مشيت في اللاذقية تتذكر يوم الحشر أو ما يمكن أن يكون، حدائق الأطفال البائسة تغص بالأطفال، عشرات يسلمون أنفسهم لمرجوحة صدئة عتيقة لكنها تهدهد آلام روحهم بنوسانها البطيء.

آلاف الرجال النازحين تغص بهم مقاهي الرصيف يدخنون الأرجيلة وثمة محلات تتباهى وتكتب: أرجيلة بخمسين ليرة فقط. عبارة يُترجمها عقلي أن السُم مجاني في سوريا. جمعيات توزيع المعونات تنافس الكورنيش الجنوبي في ازدحامها، فمنذ ساعات الصباح المُبكرة يرتص الناس في صفين؛ صف للنساء وصف للرجال وفي وسطهما طاقة تُلقى المساعدات منها إليهم. البعض ينتظر ساعات ليحصل على زجاجة حليب أو زيت نباتي، لكنني صُعقت إذ وجدت بعض الجمعيات الخيرية توزع علب علكة أيضا!! يا سبحان الله يا للترف! ما ضرورة العلكة للنازحين، لكنني سرعان ما اكتشفت عبقرية تلك الفكرة، فقد تساعدهم العلكة في مضغ مأساتهم وابتلاعها.

لا يوجد مشهد يُوحي بالصحة النفسية التي هي أساس الحياة في اللاذقية، وما الازدحام الفظيع وقد قارب عدد النازحين في اللاذقية المليون والنصف، إلا أكبر دليل عن كم هي مريضة سوريا، وكم هم معذبون ومُروعون أحباؤنا الذين نزحوا إلى اللاذقية. نحن –سكان اللاذقية– وهم النازحين نصير كيانا واحدا، ونتحول من مواطن إلى سجين وتتحول اللاذقية من مدينة إلى قفص. ونشعر جميعا بأمان زائف ووهمي: أمان الدجاجات في قفص.

21