القلق الجزائري مما يحدث في تونس سببه فرنسا أم العرب أم الاثنان

وقوع تونس في يد قوة منافسة يجعل الجزائر في عزلة.
الثلاثاء 2021/08/03
نظرة إلى المستقبل

الجزائر – أثارت تحركات وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة في الأيام الأخيرة تساؤلات بشأن موقف الجزائر من تطورات الوضع في تونس في ظل مؤشرات على قلق جزائري من أدوار يمكن أن تلعبها فرنسا أو دول عربية ترى فيها الجزائر تحديا لدورها الإقليمي.

وقالت أوساط سياسية جزائرية إن زيارة لعمامرة إلى تونس ثم مصر ثم تونس والاتصالين اللذين أجراهما الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون مع الرئيس التونسي قيس سعيد في أقل من أسبوع تؤكد أن الجزائر قلقة من تطورات لم تكن تتوقعها في الجارة الشرقية.

وأشارت هذه الأوساط إلى أن الجزائر ظلت خلال الأزمة السياسية التي عاشتها تونس منذ 2011 أقرب إلى الإسلاميين، وكانت دائما تدفع إلى الحفاظ على وضع يجعلهم جزءا من التوازن السياسي القائم في تونس، لكن دون أن يكونوا اللاعب الأول.

وتعتقد الجزائر أن الإسلاميين الذين يبحثون عن سند إقليمي يمكن أن يكونوا في خدمتها من موقع التابع الباحث عن تأمين بقائه، وهي مقاربة تمتد إلى الإسلاميين في ليبيا الذين طالما سعوا لجلب الجزائر إلى صفهم في واقع إقليمي ينظر إليهم بريبة.

وينظر الجزائريون إلى القرارات الأخيرة التي لجأ إليها قيس سعيد لإخراج تونس من أزمة سياسية واقتصادية حادة على أنها يمكن أن تهدد حسابات الجزائر، خاصة أن فتح ملفات الفساد والاعتماد على الدعم الخارجي قد يقود إلى حل حركة النهضة الإسلامية وفقدان الجزائرِ ورقةَ الرهان على الإسلاميين.

تحركات رمطان لعمامرة تظهر توترا جزائريا تجاه ما يجري في تونس

وتشكل تونس المنفذ الآمن للجزائر، في ظل غلق الحدود مع المغرب والتهاب الأوضاع الأمنية على الشريط الحدودي الجنوبي والشرقي الجنوبي (ليبيا). ويشترك البلدان في حدود برية طويلة، وهو ما يجعل الملف الأمني بينهما ملفا استراتيجيا.

ويقول مراقبون جزائريون إن الجزائر تسعى للاطمئنان على تونس كحليف، ولذلك تعمل على تحصينها من النفوذ الفرنسي والمصري والخليجي، لأن وقوع تونس في يد قوة منافسة يجعل الجزائر في عزلة، وهو ما هدفت إليه تحركات لعمامرة خاصة خلال زيارته لمصر.

ومنذ استلام الرئيس سعيد لمهمة رئاسة الجمهورية بعد انتخابات أكتوبر 2019، وصراعه المفتوح مع رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي على الصلاحيات، ظلت الجزائر تراقب دون أن تتدخل بشكل واضح لصالح هذا الجانب أو ذاك، لكن التونسيين يؤاخذونها على أنها لم تساعدهم على الخروج من الأزمة الاقتصادية واكتفت بتوجيه دعم محدود لتونس في معركتها مع الوباء.

ويقول نشطاء تونسيون إنه ليس من حق الجزائر أن تتدخل في الطريقة التي اختارتها تونس للخروج من الأزمة الحادة، أولا بإزاحة حكم الإسلاميين وثانيا بالبحث عن شركاء إقليميين يكونون قادرين على تقديم دعم مالي واستثماري قوي يساعد البلاد على الخروج من الأزمة، وهو ما امتنعت عنه الجزائر.

وكان الرئيس التونسي ألمح الأحد إلى وجود استعداد لدى دول إقليمية -دون أن يسميها- لتقديم دعم سخي لتونس ومساعدتها على الخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية، في إشارة واضحة إلى دول خليجية كانت قدمت دعما لافتا لمصر ثم لاحقا للسودان في مرحلة ما بعد إسقاط حكم الإسلاميين.

وأشاد الرئيس سعيد لدى لقائه محافظ البنك المركزي  مروان العباسي “بالوقفة الصادقة للدول الشقيقة والصديقة لسد الإخلالات في التوازنات المالية ومساعدة تونس على الوفاء بالتزاماتها المالية الداخلية والخارجية”.

وقال قيس سعيد، وفق بيان صادر عن الرئاسة التونسية، “الحمد لله، لدينا أشقاء صادقون يقفون معنا في كل المجالات وخاصة في المجال الأمني والاقتصادي”.

وبلغ قلقُ الجزائر من نفوذ خليجي منتظر في تونس حدّ سَحْب ترخيص قناة “العربية” السعودية، في حركة اعتبر المراقبون أنها موجهة إلى السعودية التي كان وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان قد زار تونس السبت وعبر عن استعداد المملكة لدعم تونس.

وتحاول الجزائر أن تكون مؤثرة في ملفي تونس وليبيا، البلدين اللذين عصفت باستقرارهما موجة الربيع العربي، وهو ما جعل أمنها القومي محل تهديد ليس فقط بسبب زيادة قدرات الجماعات الإرهابية على التحرك وإنما أيضا بسبب استفاقة الجزائر على تمركز قوى دولية على حدودها مع ليبيا مثل فرنسا وتركيا وروسيا، وتخشى الآن أن يتم تطويقها بخلق واقع جديد في تونس يكون بمنأى عن تأثيرها.

والتقى وزير الخارجية الجزائري، مساء الأحد، الرئيس التونسي وأبلغه رسالة شفوية من الرئيس الجزائري، وذلك بعد مُضيّ أربع وعشرين ساعة على اتصال بين قيس سعيد وعبدالمجيد تبون.

وأكد الرئيس التونسي لنظيره الجزائري أن “تونس تسير في الطريق الصحيح لتكريس الديمقراطية والتعددية، وستكون هناك قرارات هامة عن قريب”، دون المزيد من التفاصيل.

وكان الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون أول رئيس عربي يهاتف نظيره التونسي بعد قرارات الخامس والعشرين من يوليو التي أعلن فيها الرئيس سعيد عن تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وحل الحكومة واستلام مهمة السلطة التنفيذية.

وتعتقد أوساط تونسية أن قيس سعيد نجح في تبديد مخاوف جهات خارجية متعددة من بينها الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن الهدف الأول للرئيس سعيد هو التأكيد على أن قراراته دستورية، وأن التغييرات تهدف إلى إخراج البلاد من الصراعات السياسية واستعادة فاعلية الدولة ودورها، وأنه لا ينوي المساس بالحريات.

وتشير هذه الأوساط إلى أن ليس من حق الجزائر أو أي دولة أخرى أن تضغط من أجل توجيه التغييرات التي تجري لصالح حلفائها المحليين، خاصة أن قرارات قيس سعيد كانت مدعومة شعبيا، وأن الشارع التونسي قد بلغ به الاستياء حدا لا يوصف تجاه المنظومة السياسية السابقة، والتي كانت تتحكم فيها حركة النهضة الإسلامية.

1