القلق الرقمي يصيب مستخدمي الإنترنت بالنوموفوبيا

تتزايد مشكلة إهدار الوقت في تصفح المواقع والمنصات الاجتماعية على الإنترنت وخاصة عبر الهواتف الذكية، لكن خبراء التكنولوجيا يقولون إن الابتعاد عن وسائل الاتصال الحديثة مؤقتا قد يساعد هؤلاء المدمنين على اكتساب سلوكيات جديدة في حياتهم.
الأحد 2017/02/26
التخلي عن تكنولوجيا التواصل مستحيل

من الطبيعي أن يمسك الأشخاص بهواتفهم الذكية ويلتقطون صورا لما حولهم أو لأنفسهم أو أن يتفقدوها ليبقوا على اطلاع متواصل على الأحداث عبر المواقع المتنوعة في الإنترنت، لكن الأمر يصبح خاضعا للنقاش في حال قضى هؤلاء معظم أوقاتهم ممسكين بهواتفهم وهم في حالة قلق من أن يفوتهم شيء.

ويتصاعد القلق أكثر حينما يزور هؤلاء أماكن لا توجد فيها خدمة الإنترنت اللاسلكي (واي. فاي) ولا تعمل التطبيقات والخدمات الموجودة على الهاتف الذكي وهو ما يعني أنهم لن يستطيعوا متابعة الشبكات الاجتماعية ولا حتى مطالعة البريد الإلكتروني.

ويقول المختصون إن مثل هؤلاء الأشخاص موجودون بكثرة حول العالم وهم يقعون دون إدراك فيما يعرف بالنوموفوبيا، التي تعرف على أنها رهاب الابتعاد عن الهواتف الذكية والتواصل عبر الإنترنت.

وينجم هذا السلوك، الذي ليس له تفسير علمي، عن مشكلة تتعلق بالاستخدام المفرط للهواتف الذكية أو مجرد التفكير بضياعها أو حتى نسيانها وكذلك الهلع من الوجود خارج نطاق تغطية الشبكة ومن ثم عدم القدرة على الاتصال أو استقبال الاتصالات.

الاستخدام المفرط للهواتف الذكية وكذلك الهلع من الوجود خارج نطاق تغطية الشبكة يعقد على مدمني الإنترنت التخلي عن نمط حياتهم الرقمي

القلق التكنولوجي

يعتقد خبراء التكنولوجيا أن الهوس بمواقع التواصل الاجتماعي ومتابعة الأحداث عبر الإنترنت وتلقّي الرسائل الإلكترونية من أهمّ العوامل التي تؤدي إلى إصابة الناس بالقلق الرقمي نظرا لأنهم يرون أنفسهم بعيدا عن الدائرة الافتراضية التي يجب أن يكونوا فيها.

وأظهرت دراسة أجراها مختصون في شركة ديلويت أن إدمان استخدام الهواتف الذكية بلغ مستويات قياسية العام الماضي. وذكرت الشركة أن عدد مستخدمي موقع فيسبوك بلغ حوالي 1.86 مليار مستخدم.

وبحسب مركز بيو للأبحاث، فإن قرابة 24 بالمئة من مستخدمي الإنترنت يستخدمون موقع تويتر، في حين يستخدم 29 بالمئة منهم موقع لينكد إن الشهير.

وتقول شركة فيسبوك إن مستخدمي موقعها يقضون 50 دقيقة يوميا في المتوسط في تصفّحه، وهو أمر قد يعيقك عن العمل إن كنت بصدد تنفيذ مهام عديدة في الوقت نفسه، لكن حتى لو تخلّى البعض عن المناقشات على فيسبوك أثناء العمل، أو عدم الانشغال مثلا بالهواتف الذكية على مائدة الطعام سيشعر الكثيرون بالقلق عند محاولة التخلي عن هذه العادات "السيئة".

ويرى ستيفان هوفمان، أستاذ علم النفس بجامعة بوسطن، أن البعض قد تنتابهم حالة من القلق عند الابتعاد عن الشبكات الاجتماعية ويشعرون برغبة ملحة في العودة إليها. ويمكن إطلاق على هذا النوع من السلوك اسم "القلق الرقمي"، بحسب ما ذكر موقع "بي. بي. بي فيوتشر".

ويؤكد الخبير في دراسة المشاعر الإنسانية أن وجود مشاعر سلبية على المدى البعيد تجاه الاستخدام الشخصي لوسائل التواصل الاجتماعي وكذلك الفشل في التوقّف عن التعلق بها قد يعززان مشاعر الاكتئاب وقد تزيد حالات الخوف لديهم بسبب إحساسهم بفكرة فقدان الاتصال بالعالم.

تغيير السلوكيات

يتمنّى الكثيرون لو يقضون وقتا أقل على الإنترنت ولكن بمجرد أن يبتعدوا عن الهواتف الذكية تظهر عليهم علامات القلق.

واكتشف باحثون من الأكاديمية المجرية للعلوم، وجامعة أوتفوس لوراند في بودابست، خلال دراسة قاموا بها على مجموعة من المستخدمين أن ثلاثة أرباع الذين ابتعدوا عن هواتفهم الذكية لفترة وجيزة ظهرت عليهم سلوكيات مختلفة.

ويشير الباحثون أن الأعراض التي ظهرت على هؤلاء تعرف في علم النفس باسم إعادة توجيه الانفعالات، وهي أعراض تظهر على المرء عندما تتجاذبه انفعالات ودوافع مختلطة، والتي تتمثل في كثرة الحركة أو حك الرأس، على سبيل المثال.

الابتعاد عن وسائل الاتصال التكنولوجية لفترات أثبت بالتجارب أنه يقلل من القلق، لأن الشخص إذا وضع لنفسه حدودا واضحة، فلا مكان للاختيارات الفردية

وترى كريستينا كروك مؤلفة كتاب "متعة إضاعة الفرص"، أن إحدى الطرق الفعالة لمقاومة القلق التكنولوجي تكمن أساسا في تحديد الأسباب التي تدفع إلى تغيير نمط استخدام الشبكات الاجتماعية.

وتقول إن الذين يجدون سببا يتوافق مع معتقداتهم الشخصية، فإن ذلك قد يُسهم بشكل كبير في إبعادهم عن وسائل التواصل الاجتماعي، مثلا، والتفكير في البقاء فترة أطول مع العائلة أو مع الأصدقاء.

ويبدو أن التعرف على الفوائد التي سيجنيها هؤلاء من وراء التخلّي عن الشبكات الاجتماعية سيسهم في الحد من كمية المخاوف والهواجس التي قد تخالج البعض منهم بسبب الابتعاد عن تلك الوسائل.

وهناك أسباب عدة تمنع الناس من الابتعاد عن مواقع التواصل الاجتماعي، فالبعض يخشون أن تفوتهم الدعوات لحضور الحفلات أو فرص الدردشة مع الأصدقاء والمعارف، بينما يخاف آخرون من فكرة التخلّي عن الصورة التي قضوا وقتا طويلا في رسمها لأنفسهم على الشبكات الاجتماعية.

وهناك آخرون لا يفارقون تلك المنصات الاجتماعية لأنهم يعتقدون أن عليهم إثبات وجودهم عليها لتحقيق النجاح في عملهم. لكن إن حدّدوا بوضوح الأسباب التي دفعتهم للمشاركة هناك، وإلى أيّ مدى يستفيدون بالفعل من البقاء على الإنترنت، ربما سيستطيعون اتخاذ القرار الصائب.

صراع الابتعاد

يؤكد المختصون أن التوقف عن استخدام المنصات الاجتماعية بشكل كليّ قد يجعل البعض يشعرون برغبة شديدة في معرفة الفرص التي تفوتهم على هذه المواقع. لكن الابتعاد عنها لفترات قصيرة لتقليل التوتر الناتج عن الإفراط في استخدامها قد يساعد في اكتساب سلوك جديد.

وتقول كروك إن الابتعاد عن وسائل الاتصال التكنولوجية لفترات أثبت بالتجارب أنه يقلل من القلق، لأن الشخص إذا وضع لنفسه حدودا واضحة، فلا مكان للاختيارات الفردية.

ويفيد استخدام تطبيقات تمنع اتصال هاتفك بالإنترنت، أو حذف البعض من التطبيقات من الهاتف الذكي في التحكم في استخدامك للشبكات الاجتماعية، وفي الوقت نفسه سيحد ذلك من القلق الناتج عن الابتعاد عنها.

وينصح الخبراء مستخدمي المنصات الاجتماعية الذين يرغبون في قضاء وقت أقل على الإنترنت بأن يبدأوا بالبحث عن الأسباب التي تدفعهم إلى استخدام الإنترنت، والتعرف على المواقع التي يفرطون في زيارتها، ومطالعتها، لكي يتسنى لهم مقاومة دوافعهم.

كاتب وصحافي تونسي

18