القلق السعودي.. من تجاهل عرب الاعتدال

الأربعاء 2013/10/23

ليس من عادة المملكة العربية السعودية، طوال تاريخها الطويل، اتخاذ خطوات ذات طابع دراماتيكي. ولكن من الواضح، في حال تمعّنا برفض المملكة قبول عضوية مجلس الأمن، أن هناك تغييرا ما استوجب التصرّف بسلبية تجاه المجلس الذي يعاني هذه الأيّام من شلل واضح، خصوصا في ظلّ إدارة أميركية تتميّز مواقفها، أوّل ما تتميّز بالتردد.

في النهاية، قبلت السعودية عضوية المجلس أم لم تقبلها، يظلّ ردّ فعلها تعبيرا عن تغيير كامل، بل جذري، في الأسلوب الذي تتبعه دبلوماسية المملكة. لا يمكن الفصل بين هذا القرار وامتناع وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل عن إلقاء كلمة السعودية في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في افتتاح دورتها الأخيرة الشهر الماضي.

لم يعد سرّا أنّ هناك قلقا سعوديا من التجاهل الأميركي للوزن العربي في المنطقة. تتصرّف الإدارة الأميركية الحالية، وكأنّ العرب في الجيب، أي أنهم تحصيل حاصل. هل على العرب، خصوصا أهل الخليج اتخاذ موقف معاد من السياسة الأميركية حتى يكون هناك استرضاء لهم، بدل الارتماء في أحضان كلّ من يعمل على ضرب الاستقرار الإقليمي؟

الأكيد أنّ المملكة العربية السعودية ما كانت لتقدم على ما أقدمت عليه لولا أنّها تعرف أن إدارة باراك أوباما ذهبت بعيدا في إتباع سياسة مبنية على معاداة كلّ ما هو عربي في الشرق الأوسط، فضلا عن الاستخفاف بمن يمكن وصفهم بـ»عرب الاعتدال»، أي العرب الذين سعوا باستمرار إلى إقامة أطيب العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية والمحافظة على سياسة نفطية معقولة تأخذ في الاعتبار مصالح الجميع، خصوصا الاقتصاد الأميركي.

ما الذي كان يمكن أن تغيّره كلمة السعودية في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وما الذي يمكن أن يوفّره وجودها في مجلس الأمن في ظل الفيتو الروسي والصيني من جهة، واللامبالاة الأميركية من جهة أخرى.

لو كانت هناك إدارة جدّية في واشنطن هل كانت هناك قيمة للفيتو الروسي والصيني الذي يمنع صدور موقف دولي حازم من المجزرة التي يتعرّض لها الشعب السوري على يد نظام طائفي مدعوم من إيران وروسيا، نظام لا يؤمن بشيء سوى بسياسة إلغاء الآخر؟

طفح الكيل عربيا. تبيّن أنّ أميركا لا تحترم إلا الذين يعتدون عليها ويذلّونها. هذا ما حصل في الماضي. وهذا ما يحصل حاليا. هناك تجربة سوريا حيث يحرق النظام شعبه بالسلاح الكيميائي. هناك تجربة لبنان الذي تسيطر عليه ميليشيا مذهبية تابعة لإيران تقاتل في سوريا. هناك تجربة البحرين. هناك تجربة العراق. وهناك أخيرا تجربة مصر. في كلّ هذه التجارب سقطت الإدارة الأميركية. كان سقوطها مريعا. أقلّ ما يمكن قوله عن هذا السقوط أنّه لا يليق بالقوة العظمى الوحيدة في العالم التي فضّلت التخلي عن دورها إرضاء للإخوان المسلمين أحيانا، ولإيران في أحيان أخرى، ولروسيا وإسرائيل في كلّ الأحيان.

حتى في عهد الاتحاد السوفياتي، لم تستطع روسيا أن تكون شريكة، إلى هذا الحدّ، في القرار الأميركي كما الحال الآن. هناك تخل عن الدور الأميركي. لا يصبّ هذا التخلي إلا في مصلحة غير العرب. وهذا ما يفسّر إلى حدّ كبير ذلك الإفراط في التساهل مع إيران وإسرائيل في الوقت ذاته.

ما تشير إليه ردّة الفعل السعودية على انتخابها عضوا في مجلس الأمن، يتمثّل في أنّ هناك بين العرب من أخذ علما بالسياسة الأميركية الجديدة. هناك رئيس أميركي يضع سوريا والعراق والبحرين في سلّة واحدة. ما علاقة البحرين من جهة بسوريا والعراق من جهة أخرى. هل على البحرين دفع ثمن دفاع شعبها، بكلّ مكوناته السنّية والشيعية، عنها؟ هل على البحرين دفع ثمن وقوف عرب الخليج معها في وقت كان هناك تدخّل إيراني مباشر وغير مباشر في شؤونها الداخلية من منطلق مذهبي مقيت؟

نعم، هناك من أخذ علما بالسياسة الأميركية الجديدة. ولذلك، كان هناك وقوف للشرفاء العرب إلى جانب الشعب المصري بعد «ثورة الثلاثين من يونيو». يبدو أنّه كان مطلوبا التخلي عن الشعب المصري كي تكون أميركا راضية عن «الديمقراطية» التي جاءت برئيس إخواني يمثّل حزبا شموليا إلى السلطة. كان هناك رئيس مصري على استعداد يومي لتسهيل الهجمات الإرهابية على القوات المسلّحة المصرية في سيناء بدعم من «حماس» التي أقامت «إمارة طالبانية» في غزة. هل هذا ما كانت تبحث عنه السياسة الأميركية لتبرير السياسات الاسرائيلية القائمة على فكرة أن ليس في استطاعة هذه الدولة القبول بحلّ الدولتين الذي يفرض عليها الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلّة؟

كان ردّ الفعل الروسي السلبي على رفض السعودية الانضمام إلى مجلس الأمن أبلغ دليل على أن المملكة على حقّ في موقفها. كان الهدف الروسي من الاعتراض على الموقف السعودي مؤشرا إلى تضايق موسكو من رفض طرف عربي الدخول في لعبة المساومات التي تستهدف تعويم النظامين الإيراني والسوري، والدفاع عن الموقف الإسرائيلي الرافض لأيّ تسوية مع الفلسطينيين.

ترفض المملكة العربية السعودية أن تكون شاهد زور في فترة يمرّ فيها الشرق الأوسط بمرحلة انتقالية.

إنها مرحلة في غاية الخطورة ليس مطلوبا أن تستغلّ بأي شكل من أجل تثبيت أنظمة جديدة موالية لإيران في هذا البلد العربي أو ذاك كما هو حاصل في لبنان. هل مطلوب مكافأة «حزب الله» الإيراني أميركيا عن طريق تسليمه لبنان؟ هل يكفي أن يدير «حزب الله» ظهره لإسرائيل، وأن يوجه سلاحه إلى صدور اللبنانيين والسوريين كي يصبح مقبولا- من واشنطن- تعطيله للحياة السياسية في لبنان وتدميره لمؤسسات الدولة اللبنانية الواحدة تلو الأخرى بإشراف حكومة مستقيلة على رأسها نائب طرابلس السنّي الذي اسمه نجيب ميقاتي؟

لا سياسة أميركية في العراق. ولا سياسة أميركية في سوريا. ولا سياسة أميركية في لبنان والبحرين. كلّ ما هناك استسلام لإيران، واستسلام لإسرائيل في فلسطين، ورضوخ للإخوان المسلمين في مصر.

من مصر، انطلق الاعتراض العربي على السياسة الأميركية. رفض العرب الاستسلام لواشنطن. كلّ ما أرادوا قوله بعدما أخذت دولة الإمارات العربية المتحدة المبادرة، مبادرة دعم الشعب المصري في ثورته، أن هناك قرارا عربيا مستقلا لا يمكن إلا الاعتراف به.

العرب ليسوا مجرّد مصفقين لإدارة أميركية ساذجة لا تعرف ماذا تريد. إنهمّ، بكلّ بساطة، غير مستعدين لدفع ثمن الفشل الأميركي في العراق وأفغانستان. أي لحربين أميركيتين كلّفتا الولايات المتحدة الكثير بسبب عدم معرفة المسؤلين الأميركيين شيئا لا عن العراق ولا عن أفغانستان. انتهى بهم الأمر إلى تسليم العراق على صحن من فضّة إلى إيران وإلى الغرق في حرب طويلة في أفغانستان. إنّها حرب لا يعرف باراك أوباما كيف يمكن الخروج منها من دون الرضوخ لـ»طالبان» بكلّ ما تمثّله من تخلّف على كلّ صعيد.

كلّ ما يحاول العرب، على رأسهم السعودية، قوله حاليا أنهم ليسوا مسؤولين عن الفشل الأميركي وأنهم ليسوا على استعداد لدفع ثمن هذا الفشل لا في لبنان، ولا في سوريا، ولا في البحرين، ولا في العراق، ولا في اليمن، ولا في مصر خصوصا.

هل كثير على طرف عربي ما رفض دفع ثمن فاتورة أخطاء ارتكبها غيره، حتى لو كان هذا الغير دولة اسمها الولايات المتحدة؟


إعلامي لبناني

8