القلق جدار واق يحمي من الانهيارات العاطفية

يقضي بعض الأشخاص حياتهم في سلسلة مستمرة من القلق على أشياء قد تبدو دون قيمة، فيتكبدون في سبيل ذلك سيلا من المشاعر السلبية المرافقة للقلق كالاكتئاب والحزن والخوف وغيرها الكثير. لكن القلق ليس بهذا السوء، كما أثبتته نتائج دراسة حديثة، فقد يجعل من صاحبه أكثر اندفاعا وحرصا لتحقيق الأفضل في حياته، وذلك من خلال ترويض النفس للاستعداد الدائم ومواجهة أسوأ السيناريوهات التي يمكن أن تحدث في شأن الموضوع الذي نقلق بخصوصه، وبهذا نوفر لأنفسنا جدارا نفسيا يحمي توقعاتنا من الخيبة والإحباط في حال وقوع المحظور.
الأربعاء 2017/05/03
الأمور ليست بالسوء الذي تعتقدون

ترى الدكتورة كيت سويني باحثة في جامعة كاليفورنيا الأميركية أن القلق يمتلك سمعة سيئة في العادة، إلا أنه ليس بالسوء الذين نعتقد؛ فليست كل أنواع القلق غير مجدية أو محطمة للصحة البدنية والنفسية، فهناك القلق الذي يمثل حافزا ودافعا للإنجاز أو لتحقيق المزيد من الإنجاز وإتقانه، أو لتلافي الفشل أو تكراره، وهناك القلق الذي يمثل جدارا واقيا يحمي من الهزات النفسية والانهيارات العاطفية.

وتؤكد سويني على أن القلق هو مجموعة من الجهود الاستباقية وردود أفعال جاهزة لمواجهة الأخبار السيئة أو الانكسارات، “وهذا لا يعني أننا ندعو الناس إلى اللجوء للقلق المفرط في الأمور التي تستحق أو لا تستحق، لكننا نقدم تطمينا للأشخاص القلقين على الدوام بشأن صحتهم النفسية والجسدية، فالأمور ليست بالسوء الذي يعتقدون”.

وأشارت سويني في مقالها المنشور في مجلتي “علم النفس الاجتماعي” و”علم الشخصية” الأميركية، إلى ثلاثة تفسيرات محتملة لتأثير القلق على دافعية الأفراد ومنها، أن البعض يستخدمون مشاعرهم في حالة اتخاذ القرارات ويسهم القلق في تحفيزهم على النظر إلى هذه القرارات بجدية أكبر، في حين أن التوتر المصاحب للقلق يدفعهم للقيام بأشياء من شأنها معالجة مصادر قلقهم وخوفهم.

أما التفسير الثالث فيتضمن الشعور بعدم الراحة والانزعاج من أمر ما، الأمر الذي يمثل دافعا للبعض للتخلص من هذا الشعور للحد من القلق والتخلص من المشاعر السلبية المرافقة له، إضافة إلى ذلك، يعمل القلق كمؤشر عاطفي حيث أي مشاعر أخرى بالمقارنة معه تعتبر مشاعر ممتعة ومريحة، وأكدت الباحثة على أن القلق يمثل حزام أمان يقدم ميزة الفوائد الصحية الوقائية.

ومن ناحية أخرى، أشارت دراسات سابقة إلى أن الميزة الوقائية للقلق تظهر بوضوح في بعض الأمثلة المتعلقة بالصحة البدنية؛ فالأشخاص الذين يقلقهم سرطان الجلد يميلون في العادة إلى الاستخدام المنتظم للمراهم الواقية من أشعة الشمس، في حين أن السيدات اللاتي يقلقن بشأن سرطان الثدي أكثر انتظاما في متابعة الفحوص الدورية للمرض.

المرأة التي تبالغ في قلقها بشأن تعرض زوجها إلى حادث مروري، ستصبح أكثر قناعة بأن أمرا كهذا كأنه واقع مسلم به

ومن جانبه، يرى الدكتور غراهام ديفي أستاذ علم النفس في جامعة ساسكس البريطانية أن بعض الأشخاص يميلون إلى تضخيم الأشياء والأحداث بصورة مبالغ فيها وهم أصحاب السؤال الشائع (ماذا لو….؟)، في إشارة إلى أن شيئا ما سيئا قد يحدث في المستقبل القريب أو البعيد، شيء يتعلق بأمر مهم في الحياة أو تافه على حد السواء، فلماذا يميل هؤلاء إلى هذا الخيار؟

يعتقد الدكتور ديفي بأن توصيف هذا الأمر الذي يعرّف باعتباره قلقا مزمنا، يشبه كثيرا لغز البيضة والدجاجة؛ فمن يأتي أولا البيضة أم الدجاجة؟، فهل يقلق هؤلاء لأنهم يضخمون من أهمية شيء تافه ولا يستحق، أم أنهم يضخمون الأشياء ويبالغون في أهميتها بسبب قلقهم؟

أما الأدلّة فترجح الاحتمال الثاني، كما أظهرت بعض نتائج الدراسات في هذا السياق أن المبالغة في القلق على شيء سيء قد تزيد من اعتقادك لإمكانية حدوثه، فالمرأة التي تبالغ في قلقها بشأن تعرض زوجها إلى حادث مروري أثناء عودته إلى المنزل، ستصبح بمرور الوقت أكثر قناعة بأن أمرا كهذا يمكنه الحدوث وكأنه واقع مسلّم به.

ويبدو أن كل هذا ناجم عن عملية نفسية بسيطة تدعى “الاستدلال”، وهي بحسب علماء النفس عملية استخراج جواب أو نتيجة بناء على معلومات معروفة مسبقا وقد تكون صحيحة أو خاطئة، ويتخصص علم النفس المعرفي ويعرف أيضا بـعلم نفس الإدراك في دراسة الاستدلال، وهو مجال فرعي من علم النفس يقوم باكتشاف العمليات الذهنية الداخلية، حيث يدرس هذا العلم كيف يقوم الناس بالتفكير والإدراك والتذكر والتحدث وحل المشكلات. وأما اصطلاحا، فهو عملية تفكيرية تتضمن وضع الحقائق أو المعلومات بطريقة منظمة، بحيث تؤدي إلى استنتاج أو قرار أو حل لمشكلة، وتشير عدة موسوعات علمية ومراجع في علم النفس المعرفي إلى أن لفظ “الاستدلال” يستخدمُ للدلالة على معان مختلفة؛ من بينها التعقل أو التفكير المستند إلى قواعد معينة، مقابل العاطفة والإحساس والشعور.

ويميز الدكتور غراهام ديفي بين القلق الواجب على المستقبل وما قد يحدث فيه باعتباره محاولة لتجنب التوقعات السيئة، وبين القلق المزمن الذي يستخدم كإجابات لأسئلة وحل لمشكلات يومية غير ذات أهمية ولا تستوجب القلق، والنوع الثاني من القلق ينتمي لأشخاص يفتقدون مهارة حل المشكلات بل ويجدون صعوبة في تطبيق الحلول، إذا توافرت، ووضعها موضع التنفيذ.

وينتقل هذا القصور إلى الكشف عن مواضع قصور في شخصية هؤلاء القلقين؛ مثل عدم الثقة بالنفس، افتقاد السيطرة على ردود الأفعال، الخوف غير المسبب، انخفاض مستوى احترام الذات وعدم القدرة على اتخاذ القرار.

ويختلف القلق المزمن عن القلق العادي، لأن تأثيره السلبي يمتد إلى الأنشطة اليومية والحياة الأسرية والعملية، فالقلق العادي يكون في الغالب في فترات متباعدة وهو يرتبط بالأحداث والمواقف الصعبة في الحياة، أما القلق المزمن فهو مجرد مبالغة في الخوف من أشياء غير ذات أهمية ولا تستدعي القلق، لكن الأمر المزعج فيه أنه أمر يبدو يوميا ومستمرا بشكل يجعل من الحياة اليومية جحيما لا يطاق.

21