القلق على المستقبل يمنع الناس من تقدير اللحظات الحاضرة

فسحة الاسترخاء والتقاط الأنفاس إستراتيجية ضرورية للاستمرار وذلك بوضع الأولويات وإزاحة ما بقي عنها بتأجيلها لوقت آخر أو إلغائها.
الأربعاء 2019/09/04
استبدال ساعات الضغوط بلحظات استراحة

يظهر بعض الأشخاص سلوكا غريبا وهم يحاولون إنجاز مسؤولياتهم وابتكار قوائم جديدة للأعمال الواجب إتمامها بمهام لا تنتهي، فيتحركون من ساعة إلى ساعة ومن يوم إلى يوم مدفوعين بهوس الاستمرار داخل حدود دائرة مغلقة تبدو وكأنها عجلة لساقية في حقل، تدور للأبد ولا يمكن أن تتوقف إلا إذا تلاشى هذا الحقل.

لا توجد في حياة بعض الأشخاص أوقات للراحة، للاسترخاء أو لاسترداد الأنفاس، لأنهم ببساطة لا يعبأون بها وإذا ما حاول أحدهم سحبهم إلى منطقة من الهدوء لغرض إبطاء أو تعطيل دوران العجلة قليلا، فإنهم يبتعدون بفزع فيعودون إلى سيرتهم الأولى يخيّم عليهم شبح القلق على المستقبل الذي قد تعرقل تقدمه أي محاولة للإبطاء أو التأجيل، القلق الذي يدفعهم إلى الأمام باستمرار ويمنعهم من تقدير اللحظات الحاضرة أو حتى إلقاء نظرة متأنية عليها.

يرى روبرت تايبي؛ معالج نفسي أميركي وأستاذ في جامعة ساوث كارولينا متخصص في العلاج الاجتماعي الأسري وصاحب مجموعة كبيرة من المؤلفات في المجال الأسري، أن أفضل السبل للانفلات من حدود هذه الحلقة المفرغة من المهام هو أن تكون لدينا رؤيا واضحة عن ماهية أهدافنا الحقيقية التي نحاول الوصول إليها بالعمل الدؤوب، فإذا ما توصلنا لتصور معين عنها فربما نخفف من الجهد والوقت اللازمين لإنجاز كل ما نسجله في قائمة المهام، لتخفيف حدة القلق المسيطر علينا بكل ما يتعلق بالمستقبل القريب والأهم من كل هذا أن نترك أوقاتا بسيطة للاسترخاء والراحة قد تتبقى من يومنا بعد إتمام بعض الأهداف، وذلك بوضع الأولويات وإزاحة ما بقي عنها بتأجيلها لوقت آخر أو إلغائها ببساطة، وربما تجديدها بأهداف أخرى أكثر بساطة.

ويصف تايبي هذا العمل الروتيني المتواصل بأنه سلوك غير واع، لذلك يستوجب علينا القيام بما يناقضه تماما؛ أي أن نكون أكثر إدراكا ووعيا لما نقوم به يوميا وأن نبطئ قليلا من وتيرة العمل ونقف ولو للحظات في كل مرة لنسأل أنفسنا: كيف نشعر؟ هل نحتاج إلى استراحة قصيرة؟ هل نحتاج إلى كل هذا الجهد المتواصل وما هو هدفنا الحقيقي من المواصلة؟

تقديم العون للآخرين سلوك جيد ومتحضر إلا أنه ليس خيارا مناسبا في بعض الأوقات التي نحتاج فيها أن نكون أنفسنا طوع رغباتنا واحتياجاتنا الشخصية

يؤكد روبرت تايبي في مقالته الأخيرة في مجلة “علم النفس” على أن هناك على الدوام مجموعة من الأصوات التي تلاحقنا وتطالبنا ببذل المزيد والاستمرار لإنجاز الأهداف، قد تكون هذه المجموعة الآباء أو المعلمين أو المدربين الشخصيين، حيث يتلخص مجهودنا المضني في تحقيق رغباتهم ومحاولة إرضائهم بشتى الطرق كمقياس للنجاح.

هذا التوجيه الذي نتلقاه منهم في أعمار صغيرة نسبيا، قد نكون بحاجة إليه تماما وهو الذي يوجهنا الوجهات الصحيحة أو يجعلنا نقترب منها، إلا أن الأمر الذي يزيد عن حده لن يحصد إلا نتائج سلبية، فضلا عن ذلك، ربما تتسع دائرة الأصوات هذه لتشمل زملاء في العمل، أصدقاء أو حتى جيران حيث يقضي معظم الناس حياتهم مدفوعين بالرغبة في إرضاء الآخرين، بصرف النظر عن أهمية هؤلاء ومكانتهم الاجتماعية في حياتهم. في حين، تزاح الرغبات الشخصية إلى زوايا قائمة أولوياتنا وقد تركن في الظل لسنوات من دون تحقيق.

وينصح متخصصون بضرورة إسكات هذه الأصوات في مرحلة معينة من حياتنا، أو محاولة تخفيف تأثيرها على قراراتنا واختيار وجهتنا وهذا لا يعني بطبيعة الحال التقاعس عن العمل وقضاء أوقات اليوم الطويلة بالاسترخاء والكسل، بل محاولة استبدال ساعات الضغوط بلحظات استراحة؛ مثلا بدلا عن تناول طعام الغداء في مكان العمل لا بأس من الخروج ساعة واحدة لتناول الطعام في المطعم ويفضل أن يكون بصحبة أصدقاء، كذلك محاولة استغلال عطلة نهاية الأسبوع بالتجول في الأسواق أو الذهاب في نزهة بدلا عن قضائها في تنظيف المنزل أو الاعتناء بالحديقة، على أن تخصص أوقات لاحقة لإنجاز مهام التنظيف الضرورية من وقت لآخر.

لا لضياع لحظات مضيئة من حياتنا
لا لضياع لحظات مضيئة من حياتنا

ومن واجبنا تجاه أنفسنا أن نتوقف في بعض اللحظات لنلتقط أنفاسنا، والتعرف إلى رغباتنا الشخصية وما قد نفتقده في حياتنا، وحتى يحصل هذا الأمر، لا بأس من أن نمرّن أنفسنا على قول كلمة لا قبل أن نحقق رغبة شخص ما بالتطوع بوقتنا وجهدنا لإتمام عمل ما.

وعلى الرغم من أن تقديم العون للآخرين سلوك جيد ومتحضر إلا أنه ليس خيارا مناسبا في بعض الأوقات التي نحتاج فيها أن نكون أنفسنا طوع رغباتنا واحتياجاتنا الشخصية حتى إذا تسبب قرارنا هذا بشعورنا بالذنب أو القلق من أن نتسبب بإزعاج شخص ما، فهذا الشعور أمر طبيعي طالما انتهكنا بعض القواعد التي تعلمناها وسيختفي تباعا حالما نتخلص من ترسباتها ونتعلم كيفية إدارة قلقنا. ولا يقتصر خيار “لا” على وضع حدود لرغبات الآخرين بل أننا أولى بأن نضع حاجز الـ”لا” هذا أمام أنفسنا، متى ما شعرنا بالضغوط وثقل المسؤوليات التي تقع على عاتقنا بإرادتنا أو رغما عنها ويمكن أن نخفف من هذه المسؤوليات قليلا بتفويض الآخرين للقيام ببعضها، الأمر الذي يكون مناسبا جدا وهذا ما يفعله عادة المسؤولون في المناصب العليا.

أن نقول لا لمزيد من الأعباء والأهداف، لا لضياع لحظات مضيئة من حياتنا في لجّة العمل المتواصل.

21