القلق والأحزان مسببان للسرطان كالتدخين

كل منا يقاتل بصمت في معركة ما، حيث يعاني من قلق أو اكتئاب أو أي من عارض نفسي من قائمة الاضطرابات الانفعالية، إلا أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فقد أثبتت الأبحاث الطبية الأخيرة أن الأشخاص الذين يعانون من مستويات مرتفعة ومتواترة من القلق والاكتئاب معرضون للإصابة بمرض السرطان أكثر من غيرهم، أي بمقدار الثلث! ويحدث هذا الأمر، بحسب متخصصين، بسبب ميل هؤلاء الأشخاص إلى الإفراط في التدخين وتناول الكحول، إضافة إلى قلّة اهتمامهم بصحتهم الجسدية ومنها ممارسة الرياضة وتناول الطعام الصحي. ويظهر أن الحزن الشديد من شأنه أن يحطم ويضعف أنظمة الجسد الدفاعية المقاومة للأمراض.
الأربعاء 2017/02/01
الاضطراب العاطفي يعطل الوظيفة المناعية للجسد

أكد المشرفون على دراسة شارك فيها باحثون من جامعة ” كينجز كوليج – لندن”، إضافة إلى جامعة أدنبرة وجامعة سيدني في أستراليا، بأن الاضطراب العاطفي من شأنه أن يعطل الوظيفة المناعية للجسد ويمنع إعادة إصلاح الحامض النووي (DNA) من الأضرار والتلف.

ويُعتقد بأن الاكتئاب قد يمنع الناس من متابعة الفحوصات الطبية الدورية، الأمر الذي يضيّع فرصة كشف السرطان في وقت مبكر، وبالتالي توفر فرص شفاء أكبر، كذلك فإن بعض هؤلاء قد لا يعيرون العلاج اهتماما، حتى بعد اكتشافهم وجود المرض، فتراهم يتهاونون في تناول العلاج والاستماع إلى نصائح الطبيب ومتابعة العلاج في المراكز المتخصصة.

وفي استعراض لأكثر من 16 دراسة حديثة تناولت هذا الموضوع، ولعينات أكثر من 168 ألف مشارك في بريطانيا وحدها، وُجد بأن الاكتئاب والقلق يرفعان من نسبة الإصابة بجميع أنواع السرطان بمعدل 32 بالمئة وذلك بصرف النظر عن العمر، الجنس، الوزن، التعليم، المهنة، الدخل والحالة الاجتماعية للأشخاص المشاركين في الدراسات، بل إن كون الشخص يدخن أو يتناول الكحول، لم يكن له أدنى تأثير في نتائج الدراسة، وهذا الأمر يتناقض بالطبع مع نتائج سابقة خرجت بها دراسات عدة في أماكن مختلفة من العالم وفي مراحل زمنية متباينة.

وأشار الدكتور ديفيد باتي، المشرف على الدراسة في جامعة “كينجز كوليج – لندن”، إلى أن الإحصاءات أشارت إلى أن جميع الفئات العمرية التي تعاني من الاكتئاب والقلق الشديدين معرضة للإصابة بالمرض، خاصة سرطان الأمعاء، البنكرياس، المريء وسرطان الدم.

وعمل المشرفون على الدراسة على متابعة ورصد التطورات الصحية (الجسدية والنفسية) لأفراد العينة، ما يقارب على عقد من السنوات، حيث تمثل الاضطرابات النفسية عاملا مهما إلى جانب التدخين والسمنة مثلا، في زيادة فرصة الإصابة بالسرطان وارتفاع معدل الوفيات من هذا المرض الذي يخفق الأطباء في علاجه، فالطريقة التي يتعامل بها الناس الذين يعانون من قلق شديد مع صحتهم العامة وعدم اهتمامهم وتجاهلهم للعلامات المرضية، تفسر كثيرا زيادة معدلات الوفيات بينهم، بسبب سرطان الأمعاء والبنكرياس والمريء خاصة، وهي أمراض ترتبط في الغالب بأسلوب الحياة والطعام الصحي وممارسة الرياضة.

الصلاة أو ما يشابهها من طقوس تتضمن نشدان الرحمة والتعاطف، يمكنها أن تحقق الكثير لمن يداوم عليها ويؤمن بها

وقال الباحثون إن خلاصاتهم هذه تستند إلى ملاحظات إحصائية من دون التوصل إلى علاقة سببية مثبتة بين الحالة النفسية والإصابة بالسرطان، كما لم يستبعدوا أن تكون العلاقة بين السرطان والاكتئاب معاكسة لدى البعض، أي أن يكون الاكتئاب ناجما عن أعراض الإصابة بسرطان لم يشخص بعد لدى المريض.

من جانب آخر، أكدت دراسات سابقة على أن الاضطرابات العاطفية قد تكون سببا مساعدا في الإصابة بأمراض قاتلة أخرى؛ حيث تم الربط بين اضطراب القلق والاكتئاب والإصابة بأمراض القلب التاجية والسكتات الدماغية.

وترى الدكتورة بربرا ماركوي، طبيبة نفسية أميركية ومؤلفة لمجموعة من الكتب القيّمة في مجال علم النفس، أن على المرضى أولا أن يحصلوا بكل ما في وسعهم، على حياة خالية من الخوف والقلق والاكتئاب وعليهم أيضا تقبّل فكرة أن معركتهم هذه شرسة، ولن يستطيعوا خوضها وحدهم.

ولهذا، فإن بعض الناس يترجمون حاجتهم هذه بالالتجاء إلى نوع من الصلاة؛ فالصلاة دواء جيّد، كما برهن على ذلك أكثر من 100 بحث في مجال الصحة النفسية والجسدية، وقد أكدت البحوث على أن الصلاة بشكلها المباشر أو ما يشابهها من طقوس تتضمن نشدان الرحمة والتعاطف والحب، يمكنها أن تحقق الكثير لمن يداوم عليها ويؤمن بها.وهذا لا يعني بالطبع، بحسب ماركوي، أن الصلاة ستكون بديلا عن العلاج بالدواء أو العلاج السلوكي، فضلا عن العلاج الجراحي في حالة الأمراض العضوية، لكنها عامل مساعد وفاعل في دعم أي نوع من العلاج الذي يتبناه المريض.

وتتخذ الصلاة أشكالا عدة، فقد تتضمن الجلوس بصمت داخل إطار جميل من الطبيعة، رعاية الحيوانات الأليفة، الاستماع إلى الموسيقى الهادئة، التأمل، القراءة والكتابة، قائمة لا تنتهي من الخيارات، فليس هناك صواب أو خطأ في نوع الصلاة التي نختارها، فهي في جوهرها تمثل كل ما يتيح لنا فرصة للتدبّر والتأمّل في حياتنا ونشدان الخلاص والراحة النفسية.

فإذا لم تحدث المعجزة، كما يصفها الأطباء، وأخفقت الطرق الروحية والصلوات في التخفيف من حدة المرض أو التعامل مع حالات القلق والاكتئاب التي تصاحب حياتنا اليومية، فهي على الأقل ستغير من نظرتنا إلى المرض وطريقة تعاملنا مع أعراضه التي ستبدو أقل حدة، بسبب أجواء السمو الروحي والسلام النفسي التي تتحقق بفضلها.

كما يساعد هذا النوع من الممارسات الروحية في الوصول إلى ذلك الجزء الهادئ من الروح، الجزء الذي يجعل من التعامل مع المواقف المختلفة بتأنّ وتفهّم أكبر، وبالتالي أن نتقبل الأشياء ببساطة ومن دون تعقيدات، وهذا هو المطلوب في المقام الأول للتخفيف من حدة القلق والتوتر النفسي لفترة قصيرة على أقل تقدير.

21